باب المندب شريان التجارة العالمي على حافة الاختناق
الرياض - يبرز مضيق باب المندب كحلقة جديدة في سلسلة التوترات التي تهدد شرايين الاقتصاد العالمي، بعد أن قيدت إيران الملاحة في مضيق هرمز رداً على الضربات الأميركية الاسرائيلية. وبالتوازي مع مؤشرات انخراط جماعة الحوثي اليمنية في هذا التصعيد، تتزايد المخاوف من انتقال الأزمة إلى البحر الأحمر، بما ينذر باضطراب واسع في إمدادات الطاقة والغذاء عالمياً.
وبلغة الأرقام، يمثل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره يومياً ما بين 7 إلى 10 ملايين برميل نفط، إضافة إلى كونه معبراً لنحو 12 إلى 15 بالمئة من التجارة الدولية. ويربط المضيق، الذي يبلغ عرضه نحو 30 كيلومتراً في أضيق نقطة، بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومنه إلى المحيط الهندي، ما يجعله نقطة وصل حيوية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. كما تعبره سنوياً أكثر من 21 ألف سفينة، تحمل بضائع تقدر قيمتها بنحو 700 مليار دولار، في حين تعتمد أوروبا على هذا المسار لتأمين نحو ربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
غير أن هذا الشريان الحيوي بات مهدداً بشكل متزايد، فقد دخل باب المندب رسمياً دائرة الاستهداف، مع تصاعد التصريحات الإيرانية والحوثية التي تربط أمن المضيق بتطورات الحرب. وأشارت مواقف صادرة عن مسؤولين إيرانيين إلى إمكانية تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة مواجهة في حال تصعيد الهجمات الأميركية، خاصة إذا استهدفت منشآت حيوية مثل جزيرة خرج.
وفي المقابل، لوحت جماعة الحوثي بإمكانية التدخل العسكري المباشر، بما في ذلك خيار إغلاق المضيق، رداً على أي توسع في العمليات ضد إيران أو استخدام البحر الأحمر في أعمال عدائية.
وتعيد هذه التهديدات إلى الأذهان تداعيات هجمات الحوثيين السابقة على الملاحة في البحر الأحمر خلال حرب غزة، والتي دفعت شركات شحن كبرى إلى تعليق رحلاتها عبر المضيق والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ما زاد مسافات الشحن بنحو 6 آلاف ميل بحري ورفع التكاليف بشكل كبير. كما تكبدت قناة السويس خسائر قاربت 10 مليارات دولار خلال تلك الفترة، نتيجة تراجع حركة العبور.
وتبدو الأزمة على ضوء التطورات الراهنة، أكثر تعقيداً، إذ تتزامن تهديدات باب المندب مع القيود المفروضة على مضيق هرمز، ما يضاعف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية. ويرى خبراء أن هذا التداخل بين الأزمتين قد يؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة في أسواق الطاقة والغذاء، خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما سينعكس مباشرة على المستهلكين، لاسيما في أوروبا وشمال إفريقيا.
وفي حال تفاقم الوضع، قد تضطر السفن إلى تغيير مساراتها بالكامل، ما يضيف أعباء اقتصادية ضخمة على التجارة العالمية. كما أن أي إرباك في هذا الممر سيؤثر بشكل خاص على اقتصادات كبرى مثل الصين، التي تمر عبر البحر الأحمر تجارة سنوية تقدر بمئات المليارات من الدولارات.
ورغم أن إغلاق المضيق بشكل كامل قد يواجه تحديات عسكرية في ظل وجود قوات دولية، إلا أن مجرد التهديد بإغلاقه كفيل بإحداث اضطراب كبير في الأسواق. ويحذر خبراء من أن تحول البحر الأحمر إلى ساحة عمليات عسكرية سيقود إلى تفاقم الأزمة، ويدفع نحو سيناريوهين: إما تصعيد عسكري أوسع، أو تسريع المسار السياسي لإنهاء الحرب، بينما يقف باب المندب اليوم على حافة الاختناق، في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الصراع وتتحول فيها الممرات البحرية إلى أدوات ضغط استراتيجية، ما يهدد بإعادة تشكيل خريطة التجارة والطاقة في العالم.