تجلّيات الربيع في الفن والوجدان المشرقي

المظاهر الاحتفالية والفنية بفصل الربيع تتنوّع في الوجدان الرافدي، بدءاً من الجذور التاريخية لعيد "نوروز" وصولاً إلى بصمات كبار المبدعين العرب في السينما، والموسيقى، والدراما.

للربيع جماله وتأثيره على الحضارات المشرقية، فاحتفت به الزرادشتية قبل ثلاثة آلاف سنة باسم عيد نوروز، ولا يزال هذا الاحتفال يقام في 21 مارس/آذار لدى الأمة الكردية، وهو يترافق مع الاعتدال الربيعي.

وكان الاحتفاء بالربيع في صفحة السينما العربية مترافقاً مع بداياتها، فيقوم موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بالغناء للربيع في فيلم "ممنوع الحب" عام 1942 منشداً:

''هليت يا ربيع هل هلالك

متعت الدنيا بجمالك

هل هلالك

نبهت الورد  وكان هايم

فوق عرشه الأخضر''

أما أمير الطرب العربي فريد الأطرش فيخرج بأغنية الربيع الشهيرة في العام 1949 في فيلم "عفريتة هانم"، ويكرر غناءها في أكثر من احتفال للربيع في مصر أو ما يسمى بأعياد شم النسيم، مع تقاسيم تحبس الأنفاس على العود تسبق الدخول إلى المقدمة اللحنية التي تشبه تعاقب الفصول.

وجدير بالذكر أن تلك الأغنية كان قد لحنها فريد لكوكب الشرق أم كلثوم لكن لم تغنّها لأسباب لا يتسع المقال لسردها. أما السيدة فيروز فقد عبّرت عن الربيع في أكثر من أغنية خالدة؛ ففي أغنية "بعدك على بالي"، تستهل مطلع الأغنية بسؤال: "طل وسألني إذا نيسان دق الباب؟".

أما ما أريد أن أسلط عليه الضوء فهو سكيتش غنائي جمع بين فيروز وكارم محمود من كلمات وألحان الأخوين رحباني وهو "حكايات الربيع" في العام 1956، وكان باللغة العربية الفصيحة. وفي العام 1974 يخرج إلى النور فيلم "أميرة حبي أنا" على شكل تظاهرة فنية ربيعية من إخراج حسن الإمام وبطولة سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني والفنان حسين فهمي وسهير البابلي ودينا عبد الله وهي طفلة والكوميدي حسن حسني وباقة من الفنانين المشاهير.

ومن ضمن لوحات هذا الفيلم الزاهية هناك لوحة يرسمها شاعر اليسار صلاح جاهين شعراً وكمال الطويل لحناً والسندريلا أداءً حركياً وغناءً مفعماً بالإقبال على الحياة في أغنية "الدنيا ربيع" التي خلدت، ولا تفتر التلفزيونات في إعادة إذاعتها كلما عاودنا الربيع بحلته الزاهية وفراشاته ودفء جوه بعد شهور الكمون في الخريف والشتاء. أما الشاعر نزار قباني فيسأل في قصيدة "عيناك" الشهيرة التي غناها المطرب خالد الشيخ في عام 1986 بقوله: "هل أرحل عنك وقصتنا أحلى من عودة نيسان؟".

ولا يخفى على أي منا ما يحمله شهر نيسان من تلاوين الربيع في بلادنا، ففيه تتفتح الزهور، ويفوح عبيرها، وتتفجر الينابيع وتسيل الغدران وتزقزق العصافير فرحة، وتدب الحياة في أوصال الطبيعة.

أما الكاتب محمد جلال عبد القوي، عبقري الدراما المصرية وكاتب مسلسل "المال والبنون" الشهير، فيختار لتحفته الدرامية التي ترى النور في 1996 وتتحدث عن القيم السامية والمشاعر الجميلة، يختار اسم "نصف ربيع الآخر" لمسلسله الذي يؤدي البطولة فيه يحيى الفخراني بدور ربيع الحسيني. ولا يخفى على المشاهد العربي كم الرمزية الذي يحمله اسم "ربيع الحسيني"؛ فهو رمز لكل ما هو جميل وسامٍ.

مع عودة ربيعنا، كلنا أمل أن يكون ربيعاً للقلوب والأرواح كما هو ربيع للطبيعة.