'بلند الحيدري'.. شموخ الإسم واغتراب الروح
وُلد في بغداد في العام 1926 لأسرة ميسورة، والدته هي "فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري"، وجده كان يشغل منصب شيخ الإسلام في إسطنبول ومستشاراً شرعياً في نظارة الدفتر الخاقاني، وهو من أصول كردية، و"بلند" كلمة كردية تعني الشموخ، فكان له من إسمه نصيب على ما سنرى.
يقول بلند الحيدري إنه شعر بالشيخوخة باكرا عندما فقد والدته في سن مبكرة، وعندما غادر منزل العائلة وترك الدراسة وهو في المرحلة المتوسطة.
لكنه تحدى الصعاب والتشرد والاعتقال، وواصل تثقيف نفسه بنفسه. توفّي والده بعد ذلك فعاش التشرد بين المدن الكردية: أربيل ودهوك والسليمانية. صرّح بذلك في لقاء جمعه في لندن في العام 1994 مع المذيع السعودي المخضرم محمد رضا نصر الله، ومن وحي هذا اللقاء المتوهج بالشعر، دخلتُ إلى عالم بلند الحيدري الشاعر المغامر المغترب والفنان المرهف في آنٍ معاً.
ما يميز شعر بلند الحيدري أنه يمثل باكورة الشعر الحر المتمرد على عمود الشعر، حيث يعد الحيدري من الشعراء المؤسسين للشعر الحر إلى جانب نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. وتمثل ذلك التيار المتمرد في ديوان شعره الأول "خفقة الطين" الصادر سنة 1946، والذي عبّر فيه عن قلقه الوجودي متأثراً بوجودية "جان بول سارتر" و"ألبرت كامو".
تقول الشاعرة والناقدة الكويتية تهاني فجر إن بلند الحيدري "من الرواد القلائل الذين أبحروا نحو مرفأ حداثي مغاير، منذ ديوانه الأول، ثم بدايته الحقيقية في ديوانه الثاني (أغاني المدينة الميتة 1951) الذي شكل انعطافة مهمة في تاريخه الشعري، وفتح آفاقاً جديدة للقصيدة العربية الحديثة".
لم يلقَ إنصافاً من النقاد في وطنه، لكن الناقد اللبناني مارون عبود أنصفه وقال في شعره: "نموذج لشعر الشباب الذي كانت بغداد تحلم به". كان الحيدري يردد دائماً بأنه عاش الغربة في الوطن ولم يعشها في الخارج. في 1965 أصدر ديوان "خطوات في الغربة"، تلك الغربة التي تفرض ملامحها في كل نتاجه الشعري وتفيض بها أحاديثه.
بعد سنتين، انتقل إلى لبنان ليجد في الغربة وطناً جديداً حيث استقرّ في بيروت ("أم الغريب" كما يحلو لأهلها أن يسموها) وعن تجربته فيها يتحدث شاعرنا عن احتضان الوسط الثقافي له ولأسرته، ويخص بالذكر فؤاد الحسن الذي جاء له بنصف أثاث منزله، ونزار قباني الذي ساعده في إيجاد وظيفة، وكذلك منير البعلبكي الذي لم يبخل بالعون في إيجاد مسكن مناسب.
يعمل في البداية مصححاً في "دار الحياة"، ثم مشرفاً على "الدار العصرية"، وهو العمل الذي أعطاه الشاعر أدونيس إلى بلند بعد أن وجد أدونيس لنفسه عملاً آخر. ومن منفاه الاختياري أصدر في العام 1971 "أغاني الحرس المتعب".
أما ما تفرد به الحيدري في شعره فهو ما عرف بـ "تشكيل القصيدة"، ويتمثل في أنه يقوم على حركة داخلية تجعل من الشكل والمحتوى وحدة واحدة، وأن تلك الحركة تتولد من الصورة الشعرية، ومن تداخل الصور بالإضافة إلى حركة الإيقاع. ارتقت الصورة عنده من كونها عنصراً إضافياً تزيينياً إلى عنصر بنائي مكوّن يوازي العنصر الإيقاعي، ويشارك في عملية السحر الشعري.
كما أنه استخدم اللون في قصيدته وأعطاه دلالات وانزياحات في المعنى، وذلك بسبب ثقافته البصرية وحبه وإتقانه للفن التشكيلي، متأثراً بالفنان والنحات العراقي الموصلي النشأة التركماني الجذور ''جواد سليم''؛ ليؤلف كتاباً بعنوان "زمن لكل الأزمنة" في العام 1981، صدر في بيروت عن الدار العربية للدراسات والنشر، وهو مجموعة مقالات حول الفن ويتضمن رسومات وزخارف وتصاميم على غاية من الروعة، ويعدّ مرجعاً للعاملين في مجال الفنون.
هنا يجب أن أعرج على الذاتي؛ فقد تعرّفتُ شخصياً على هذا الكتاب الملفت للنظر في مكتبة عمي الفنان التشكيلي الدكتور صالح أبو شندي، أحد رواد الفن التشكيلي في العاصمة الأردنية عمان، فكان هذا الكتاب الزاهي الملفت هو ما استفزني للكتابة عن بلند الحيدري. وبالعودة إلى هذا الكتاب، يقول في مقدمته ما مفاده بأن إحساسنا بالزمن يختلف باختلاف النظرة التي ننظرها إليه؛ فالزمن بعد اكتشاف النار هو بالنسبة إلينا غير الزمن بعد اكتشاف العجلة، ويختلف كذلك عن الزمن بعد اختراع السيارة والكمبيوتر.
وفي المقالة الأولى التي يتحدث فيها عن حضارات العراق القديمة يقول فيما معناه أنه و''رغم افتقار وادي الرافدين للمواد اللازمة للبناء، إلا أن الحضارات القديمة التي عاشت في تلك المساحة بين الرافدين تعد من أقدم الحضارات على وجه الأرض، وأن ما نُهب من آثارها أغنى المتاحف في ألمانيا وبريطانيا، سواء على يد الاحتلال المباشر أو الاحتلال غير المباشر قبيل الثورة''.
سنة 1996 أصدر الحيدري ديوانه الأخير "دروب في المنفى"، لتكون الغربة هي القاسم المشترك لمعظم دواوينه الشعرية. في العام ذاته رحل عن عالمنا في منفاه اللندني، بعد أن حفر إسمه في الذاكرة البصرية والثقافية.