خيري منصور.. رحلة البحث عن السماء فوق دير الغصون

ما يميز كتاب 'تجارب في القراءة' هو أنه يسلط الضوء على تجارب الكاتب مع الآداب العالمية والعربية؛ فيمثل دعوة للقارئ لخوض تجربته الخاصة في القراءة ومعينها الذي لا ينضب.

خيري منصور، من مواليد قرية دير الغصون الواقعة قرب طولكرم في الضفة الغربية عام 1945، وقد أكمل دراسته الثانوية هناك، قبل أن ينتقل إلى القاهرة التي أكمل فيها المرحلة الجامعية في مجال الهندسة؛ مما أضفى على كتاباته الطابع المنطقي السلس. عُرف الكاتب لعقود من الزمن بعموده اليومي في صحيفة "الدستور" الأردنية، وذلك قبل وفاته عن عمر ناهز الثالثة والسبعين في العام 2018. كما نشر عدداً من المجموعات الشعرية. تنقل الكاتب بين الكويت، والقاهرة، وبغداد، وعمّان حيث وضع عصا الترحال.

وعن قريته دير الغصون مصدر إلهامه الأول، يتحدث في أحد اللقاءات أن قريته كانت تمتد من قمة أحد الجبال إلى سفوحه، وكان يحس في قمة هذا الجبل أنه كان أقرب إلى السماء؛ ما أثر لاحقاً على كتاباته وجعل رؤاه أكثر اتساعاً على حد تعبيره.

أبعدته السلطات الإسرائيلية من الضفة الغربية عام 1967، فغادر إلى الكويت، ثم استقر في بغداد حيث عمل محرراً أدبياً في مجلة "الأقلام" العراقية، وتعد محطة بغداد في مسيرة خيري منصور من المحطات الغنية نثراً وشعراً.

ونشر الراحل عدداً من المجموعات الشعرية، منها: "غزلان الدم" (1981)، و"لا مراثي للنائم الجميل" (1983)، و"ظلال" (1978)، و"التيه وخنجر يسرق البلاد" (1987)، و"الكتابة بالقدمين" (1992).

وله أيضاً عدد من الكتب النقدية:

الكف والمخرز.. دراسة في الأدب الفلسطيني بعد عام 1967 في الضفة والقطاع، 1980.

تجارب في القراءة، الصادر عن وزارة الثقافة والإعلام في العراق (دار الشؤون الثقافية العامة)، 1986.

أبواب ومرايا.. مقالات في حداثة الشعر، 1987.

في حداثة الشعر.. تجارب في القراءة، 1988.

وسأتناول بشيء من التفصيل كتاب "تجارب في القراءة"، وهو من القطع الصغير ويقع في 164 صفحة ضمن ما يسمى بإصدارات الموسوعة الصغيرة، وذلك لتسهيل القراءة ونشرها، فكان له تأثيره في مسيرتي الثقافية على صغر حجمه. يتكون الكتاب من مقدمة وتسعة فصول؛ وفي المقدمة يتناول الكاتب تأثيرات الأدب الرفيع على القراء، ويسوق مثالين هما: "أنا كارنينا" للكاتب الروسي تولستوي، وكذلك تجربة قراءة "المسخ" للكاتب فرانز كافكا، فيقول خيري منصور: "هل يمكن لأحدنا أن يقرأ (المسخ) ثم يستطيع أن ينظر في المرآة دون إجفال؟".

أما الفصل الأول فهو بعنوان: "عندما يقتل الروائي أبطاله"، يتحدث فيه عن الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز الذي لم يعرف النوم عندما مات بطله الجنرال على صفحات روايته المعنونة "مائة عام من العزلة" (الحاصلة على جائزة نوبل للآداب، والتي تُرجمت إلى ثلاثين لغة، وصدر منها ثلاثون مليون نسخة)، وصدرت في طبعتها الأولى عام 1967.

وسأتناول ما جاء في فصل: "تجربة في قراءة التاريخ الشفوي" بالتفصيل؛ لما احتواه من تجارب الكاتب خيري منصور الشخصية في مكابدة الاحتلال الصهيوني الذي استولى على بلدته الوادعة، وكيف طلب منه الاحتلال تصريحاً ليدخل بلدته ومسقط رأسه ومأواه الوحيد، فيصدر قرار من الحاكم العسكري للاحتلال بإبعاده نهائياً عن بلدته.

كما يوثق لتجربة كاتب فلسطيني آخر اسمه صالح برانسي، من قرية الطيبة في العام 1948، الذي كتب عن معاناته أثناء مروره بحاجز عليه ضابط مستقيل من إنسانيته –على حد تعبيره– فيقوم الضابط الصهيوني بضرب العابر الفلسطيني الأول بحجة أنه لم يطرح عليه السلام، فيقوم العابر التالي بالسلام على الضابط ليتجنب الضرب، فيقوم الضابط الصهيوني بضربه قائلاً: "هل تعرفني لتسلم علي؟". فكان التكدير هو ما يصبح ويمسي عليه الفلسطينيون أثناء مرورهم من المعبر.

ما يميز هذا الكتاب هو أنه يسلط الضوء على تجارب الكاتب في القراءة من الآداب العالمية والعربية؛ فيمثل دعوة للقارئ لخوض تجربته الخاصة في القراءة ومعينها الذي لا ينضب.