تفكيك سلوكيات سامة لمجتمع يشرعن الاستغلال في 'الست موناليزا'

المسلسل المصري يبني عالما واقعيا قاتما يفضح هشاشة الأحلام وسط منظومة اجتماعية قاهرة، كاشفا آليات التلاعب العاطفي والاستلاب الممنهج.

تظن "موناليزا" أن زواجها سيكون بوابةً إلى الجنة لكن أحلامها تتبدد سريعًا في القاهرة، حين تجد نفسها عالقة في علاقة تحكمها المصالح وزوجٍ يسعى لمكاسبه الخاصة وعائلةٍ تتربص بها كأنها غنيمة في زواجٍ مُقيّد بشروط خفية، ومن بين رماد تجربة قاسية تبدأ رحلة امرأة تحاول النهوض من جديد، مواجهةً نظرة المجتمع وألم الانفصال وساعيةً لاستعادة ذاتها وبناء حياة تستحقها وبين الخسارات والأمل، يبقى السؤال: هل يزهر الحب في قلبها مرة أخرى، أم يكون ثمن الحرية أفدح مما توقعت؟

المسلسل من إخراج محمد علي، وتأليف محمد سيد بشير، وبطولة مي عمر، أحمد مجدي، وفاء عامر، شيماء سيف، جوري بكر، وسما إبراهيم.

يشكل مسلسل "الست موناليزا" في العرض الرمضاني الحالي مختبراً لتفكيك العلاقات الإنسانية في أكثر صورها تعقيداً وتشابكاً مع واقع اجتماعي مأزوم، إّذ تبرز في العمل تساؤلات حارقة حول ماهية التضحية والحدود الفاصلة بين الحب والاستلاب التام للإرادة البشرية في ظل التغيرات القيمية الراهنة. ويرصد المخرج محمد علي ملامح الخداع الذي يبدأ بوعود وردية وينتهي بسقوط مدوٍ في قاع الارتهان للنمط السلوكي السام، كوثيقة فنية توثق آليات التلاعب العاطفي والمادي في بيئات تقتات على أحلام البسطاء الواهمين بالخلاص السريع من أوجاعهم، بينما يستند المسار السردي إلى تعرية الواقع وكشف زيف الوعود التي تُبنى على رمال متحركة لا استقرار فيها ولا أمان. فتتجاوز الدراما الترفيه لتخاطب جوهر الصراع الوجودي للمرأة في مواجهة قوى الاستغلال المنظم والممنهج اجتماعياً. ويخلق العمل حالة من الجدل تستدعي وقفة فاحصة تتجاوز المتابعة العابرة لتفاصيل الحكاية اليومية المعتادة والمكررة.

ويفتتح السيناريو أحداثه بالوقوف عند الانتقالة الزمنية والمكانية الحادة التي تجسد صدمة الواقع في مواجهة اليوتوبيا المتخيلة في ذهن البطلة المخدوعة، إذ يواكب المؤلف محمد سيد بشير رحلة شخصية "موناليزا" التي تنتقل من سكون الإسماعيلية إلى جحيم القاهرة المنظم عبر فخ الزواج الصوري، فيستخدم تقنية "الفلاش باك" لتفكيك خيوط الجريمة العاطفية التي تعرضت لها امرأة قررت المراهنة على ماضٍ ولى وانقضى أثره تماماً، ويظهر تدرج درامي يبدأ بالانبهار الكاذب وينتهي باكتشاف قسوة العيش في قصر تحول إلى بيت شعبي ضيق الخناق والروح، بينما يتجلى في هذا المسار السردي عملية سحق ممنهجة للشخصية وتجريدها من ممتلكاتها وأحلامها تحت وطأة الأكاذيب التي يمارسها الطرف الآخر، فيكشف تتبع الأحداث كيف يتحول الحلم إلى كابوس يطبق على أنفاس الضحية ويجردها من كل وسائل الدفاع الممكنة والمتاحة.

ويعبر الأداء التمثيلي لأحمد مجدي في شخصية "حسن" بطريقة تشريحية براعة "المتلاعب" في إدارة الأزمات المفتعلة لامتصاص قدرات الطرف الأضعف عاطفياً، كنموذج لرجل يستغل نقاط ضعف المقربين منه ليحولهم إلى أدوات في مشروعه الأناني القائم على الجشع المادي، بينما يظهر "حسن" في كل حلقة بوجه جديد، تارة كضحية للظروف وتارة كمنقذ، في حين يظل المحرك الأساسي لكل النكبات المتتالية، ويرتبط هذا الدور بسيكولوجية الشخصية التي لا تكتفي بالسرقة المادية، لأنها تسعى لكسر الكبرياء النفسي والروحي لكل من يحيط بها، فيبين العمل كيف ينمو هذا النوع من النماذج في بيئات تفتقر للمساءلة الأخلاقية وتعتمد الخداع وسيلة وحيدة للترقي المادي، فيتأصل هذا الدور درامياً باعتباره المحور الذي يقود الأحداث نحو التأزم والانهيار الأخلاقي التام في محيط الشخصية الرئيسية للعمل.

ويبرز دور مي عمر في شخصية "موناليزا" حالة من الاستسلام المفرط الذي يتجاوز حدود السذاجة ليصل إلى مرحلة القبول التام بالألم العاطفي، فتظهر محاولات التعبير عن الانكسار عبر لغة الجسد المكبوتة والنظرات الشاردة، بعيداً عن نمط الشخصيات النسائية القوية المعتاد تقديمها سابقاً، فيوضع المشاهد أمام حيرة حقيقية بين التعاطف مع البطلة وبين التساؤل حول مبررات صمتها الطويل أمام سلسلة التجاوزات المادية والمعنوية، فنشاهد الشخصية في كثير من المشاهد مسلوبة الإرادة، فتتقبل الإهانات والسرقات المتتالية كأنها قدر محتوم لا يمكن الفكاك منه أو الهروب، فيعكس هذا الخيار الفني رغبة في تقديم بطلة تراجيدية، لكنه يسقط أحياناً في فخ الهشاشة التي تضعف منطق الفعل والرد الدرامي، بينما يصنف الأداء كمحاولة لتجسيد الوجع المكتوم، رغم التحفظ النقدي على غياب التطور في شخصية تواجه غدراً متواصلاً وممنهجاً، فتظل البطلة سجينة رد الفعل السلبي، كعنصر محرك للصراع الدرامي الحقيقي والمؤثر في الأحداث.

وتعاني بعض المشاهد  ثغرات منطقية كبيرة شابت البناء الدرامي، خاصة فيما يتعلق بتعاطي الأهل مع أزمة ابنتهم الكبرى والوحيدة، إذ يغيب المنطق الاجتماعي الواقعي في المسلسل حين يترك الأهل ابنتهم تواجه مصيراً مجهولاً دون أدنى تواصل أو زيارة منزلية للاطمئنان عليها، فتبرز السقطات القانونية في مسألة تقاضي معاش الوالد والحصول على قروض بضمانات وهمية في تجاوز صارخ للواقع الإداري المعروف، ويضعف هذا التراخي في التفاصيل من صدقية العمل كقصة مستوحاة من أحداث حقيقية، ويحولها إلى فانتازيا اجتماعية بعيدة عن الواقع، كما تتشكل فجوة واسعة بين ما يقدمه المسلسل من واقعية مفترضة وبين مقتضيات العقل والمنطق والحياة اليومية الرتيبة للمشاهدين، كما يضحي العمل بالواقعية في أحيان كثيرة لصالح الإثارة،  وذا يفقد الحبكة تماسكها الضروري لإقناع المتلقي الواعي بتفاصيل محيطه الاجتماعي والقانوني.

وتغرمتتاليات المشاهد في الميلودراما واستخدام الحوارات المباشرة والطويلة التي تهدف إلى استدرار عاطفة الجمهور بشكل فج ومصطنع أحياناً، بينما تفتقر الخطوط الثانوية في المسلسل للعمق الكافي، حينما نشاهد الشخصيات المساعدة كأنها نماذج جاهزة لخدمة غرض سردي محدد دون أبعاد إنسانية، فيسيطر النحيب والندم على مساحات واسعة من الحلقات، وهذا يسبب نوعاً من الرتابة في الإيقاع العام للعمل الدرامي المجهد للمشاهد، كما ينبه السياق لغياب التطور النفسي التدريجي للبطلة، فعوض ردود الفعل القوية، يظهر انغماس سلبي في دور الضحية التي لا تتعلم.

ويعتمد الإخراج على لقطات قريبة ومكثفة للوجوه لإظهار الألم، لكنها تظل قاصرة عن تعويض غياب الصراع الدرامي الحقيقي والمؤثر فنياً،إذ تستوجب الدراما احترام ذكاء المتلقي والابتعاد عن المونولوجات الدرامية التي تجاوزها الزمن في مدارس التمثيل والتعبير الحديثة والمعاصرة عالمياًن فيظل الصمت في الدراما أحياناً أبلغ من صفحات الحوار الطويلة التي تفقد الموقف حدته وتشتت تركيز المشاهد عن المعنى الجوهري.