جدلية الغياب والحضور في رسائل 'بريد العائلة'
نصوص شعرية تستقي مبانيها من الحياة وإشكالياتها، ومن الإنسان وهمومه الذاتية والعامة، وتعبر عما يختلج في النفس من مشاعر، وهي تعيش الواقع اليومي بتحولاته السياسية والاجتماعية. نصوص هي خلاصة الاشتباك الجدلي مع الواقع، صاغها الشاعر فراس طه الصكر في مجموعته الشعرية المعنونة (بريد العائلة) الصادرة عن دار نينوى / 2018.
قد يوحي عنوان المجموعة أن مضامينها موجّهة حصراً لمن استهدفهم الصكر بخطابه الشعري، ونعني (أفراد عائلته: الأب، الأبناء والحبيبة)، ولكننا سنجد إضافة لهذه الرسائل الخاصة خطابات موجهة لجهات أخرى عديدة (الأصدقاء، الشهداء وعوائلهم، المهمشون والمسحوقون في الوطن، السلطويون الفاسدون، المتسلّقون على أكتاف الفقراء).
وإذا ما اعتمدنا هذه الرؤية فبإمكاننا فرز نصوص المجموعة إلى قسمين:
1- نصوص مؤطّرة: تكاد تنحصر مبانيها ومعانيها في حدود أحاسيس وعواطف وانفعالات الشاعر في علاقاته مع أفراد العائلة والأقارب. حيث تتمحور موضوعاتها حول تجارب ذاتية مقننة إلى حدّ بعيد، بدءاً من العنوان والإهداء دخولاً في المحتوى، وكمثال على ذلك نصوص (بريد العائلة، شاهدة، عيون لا تكتفي، لا قامة لهواء ينسجها الخريف). ومع خصوصية هذه النصوص - إنْ جاز التعبير – إلا أنّ اختيار الشاعر للمفردات في بناء الجملة وتشكيل الصورة الشعرية يترك الباب موارباً للمتلقي ليشركه في مضمار تجربته ورؤيته الشعرية للأحداث والعلاقات التي عايشها كما سنبيّن لاحقاً.
2- نصوص مفتوحة عامة: تمتح من واقع الحياة والشأن العام وتستلهم الهمّ الإنساني والوطني، تدين الظلم والقبح وتُجّار الدم وتنتصر للشهداء والضحايا وتتغنى بالحُبّ والجمال. وهي موضوعات مشاعة ذات مساحة مشتركة بين الشاعر وجمهور المتلقين، ما يوسع من آفاق تأثيرها والارتقاء بمديات تفاعلهم مع مضامينها.
جدلية الغياب والحضور
تُشكّل موضوعة الغياب ركناً أساسياً في الفن الشعري على مَرّ العصور؛ فمنذ ملحمة جلجامش التي تتمحور أحداثها حول سعيه المحموم للبحث عن الخلود بعد أنْ هزّه رحيل خله إنكيدو الذي غيّبه الموت، ولغاية يومنا الحاضر، لا تكاد مدوّنة شعرية تخلو من موضوعة الغياب بتجلياته المتنوعة. ومن البداهة القول إن تناول وتوظيف (الغياب) يتنوع ويتباين وفقاً لتنوع تجارب الشعراء وتباين مستوياتهم الثقافية والفنية.
ولكن تناول الغياب في الشعر عموماً يُخرج الشعر من إطار الوهم والحلم، ليشحنه بالملاحظة والوعي والمطالبة والاحتجاج. هذا الغياب شكّل الفاعل الأبرز حضوراً في (بريد العائلة)، وقد تجلّى أكثر عمقاً وحِدّة في معظم هذه النصوص/الرسائل التي دوّنها الشاعر بريشة الحاضر المغمّسة بإحساس الفقد، على واجهتي مسلّة الغياب. فعلى الواجهة الأولى صوّر الشاعر الخسارات المادية (الأب والأقارب، الحبيبة، ضحايا الإرهاب، الجنود الشهداء)، وعلى الثانية سطّر الخسارات المعنوية (الأحلام الموءودة، سنوات العمر التي أجدبتها الحروب، غياب العدالة والأمن والسلام).
ولقد استثمر الشاعر جدلية الغياب والحضور في بناء عمارته الشعرية، مُوظّفاً هذه الثنائيات المتضادة في تشكيل معظم نصوص بريد العائلة، مستعرضاً العديد من صور هذه الجدلية كحضور الأب المؤثّر في الذاكرة رغم وفاته وغيابه عن مشهدية الحياة، وتَفكّك عُرى المحبة وغياب الودّ بإشهار الصديق المنافق خنجر خيانته لتمزيق أواصر الصداقة، وغياب الوفاء لشهداء الوطن ومعاناة عوائلهم مقابل تسيّد وتنعّم المتنفذين المتاجرين بالحروب، وغيرها من صور الفقد وآثاره المدمرة والمؤلمة في النفس، صاغها الصكر بلغةٍ أنيقةٍ خاليةٍ من التعقيد، مكتنزة بالإيحاء، تلوّنت مضامينها الذهنية والجمالية بمشاعر الشجن والأسى ليرسم لوحاتٍ مُعبّرة عن إدانته ورفضه لكل مسمّيات ومسبّبات البؤس والخراب.
وكمثال على أسلوب تناول ومعالجة الصكر لموضوعة الغياب والحضور ما جاء في نصه الذي استهل به المجموعة ووسمها به (بريد العائلة) إذ يخاطب الأب:
"سأروي عنكَ عن مساءٍ غامض أضعناه معاً.. عن المرايا الخادعة سنواتك يا أبي سأمحو كلّ أيامها سوى سنة واحدة سَقطتْ في وادٍ عميق لم يتسعْ لصراخنا" ص/ 9
استثناء الشاعر لهذه السنة الواحدة من حياة الأب الراحل جاء لكونها ماثلة بكل ما فيها من حضور قوّي في ضميره، فاستعصى عليه محوها من الذاكرة، ونَحْدِسُ أنّها السنة التي قاربت فيها شمعة الأب نهاية رحلتها المضيئة لفضاء العائلة، سنة حزينة تشارك مرارتها الشاعر مع بقية أفراد الأسرة، وقد برع في وصف صيرورة تلك السنة الحزينة وسرمديتها في أعماق الذات باستعارة مبهرة -الوادي العميق- الذي ضاق بصراخ العائلة التي فُجِعت بغياب نبراسها وملاذها الآمن.
وكما نوّهنا سلفاً، فإنّ قراءة النسق الظاهر لهذا النص ستضعه في خانة الشأن الخاص أو الحالة الفردية، بمعنى أنه يتحدّث عن أمر يخص علاقة الشاعر وتفاعله مع واقعة غياب والده، فيما سيتكشف لمن يلج عمق النص ويتفحصه بدقةٍ أنّ أسلوب عمارة وتشكيل الشاعر للمبنى ارتقت بالمعنى من الخاصّ إلى العام. فبدءاً عنون النص بـ(بريد العائلة)، وهذا عنوان عامّ إذ لم يحدد نسبة هذه العائلة له، وإلاّ لدوّنه بعبارة (بريد عائلتي) ليؤطّر مضمون الخطاب بهذه المساحة الضيقة لتأكيد خصوصية الموضوع. وثانياً نلاحظ أنه استخدم كلمة (أبي)، وهي مفردة يصل صداها الدلالي لآفاق أوسع من مفردة (والدي)؛ فالوالد لُغة هو الأب المُباشر، فيما مفردة (أبي) أعمّ وأشمل وتفتح المجال واسعاً للمتلقي لإسقاط مضامين النص على تجربته هو أيضاً، فكم من قارئ لهذا النص يشاطر الشاعر ذات التجربة (فَـقْـد الأب).
ومن عديد نصوص (بريد العائلة) التي تتجلّى فيها جدلية الغياب والحضور نص (قبلةٌ منسية على خدّ الغياب)؛ حيث لجأ الصكر إلى توظيف التورية والكناية بشكل رائع ومبهر في بناء صورة شعرية تجسّد سطوة الغياب القاهرة وقوة قدراته الرهيبة في تخريب وتدمير وجرف وإفناء أي دالةٍ شاخصة للحياة مقابل هشاشة الحياة في مواقف معينة. فرغم أن الحبيبة التي يخاطبها الشاعر كانت شاخصةً حيّة في المشهد كصورة من صور الحياة، إلا أن حضورها لم يكن إلا شاهداً صامتاً إزاء الغياب العاصف الذي كَنَس كلّ شيء:
"لم يك غيركِ ماثلاً.. لا الحرب ولا النساء ولا السماء التي أمطرتْ أسماءنا في الحدائق والشوارع والحقول ولا المرايا التي عكستْ ذات مرّةٍ صورة شمسية كنت بها حينما أشرت إلى شجرةٍ بالذهول فغاب ظلّها وانحنتْ ثمارها إلى الكارثة.."ص/ 40
تطريس الغياب
وفضلاً عن استثمار الصكر لموضوعة الغياب والحضور بشكلهما الجلي المحسوس في بناء نصوص بريد العائلة، فإنه لجأ إلى أسلوب (التطريس) في تناول هذه الثنائية، منتشلاً وباعثاً الغياب بصوره المتنوّعة من غياهب الاضمحلال بفعل تقادم الزمن، معيداً له فاعليته عبر نفخ ما كاد يخبو من جذواته التي تراكم عليها رماد النسيان، مثيراً ما تراخى من مجسّاته المتغلغلة في شغاف من اختطف الغياب منهم الأحبة والأمن والأحلام والأمنيات المشروعة والبريئة.
وإذا كان التطريس عبارة عن إعادة الكِتَابَةَ على المَكتوبِ الممْحُوِّ، فإنّ الشاعر لم يلجأ في تطريسه للغياب إلى توضيح ملامحه الباهتة، بل التفتَ إلى الآثار المترتّبة عن ذلك الغياب، لاقطاً ومستلهماً من ظلالها على الحضور صوراً شعرية فارقة ومشحونة بقوة فعل الغياب لحظة حدوثه، مجسّراً الهوّة الفاصلة بين زمني (الغياب / الماضي) و(آثاره / الحاضر).
وأوضح ما يكون تطريس الغياب نجده في نصَّي (أطفالنا يرسمون القنابل) و(مناجاة ابن الشهيد في يوم النصر). وفي كلا النصين يقتفي الصكر أثر الغياب في ضحايا الحروب، منتجاً لوحة شعرية تستثير المتلقّي بمآل من خمشتهم مخالب الغياب وطحنت ملاذهم أنيابه.
نقرأ في نص ''أطفالنا يرسمون القنابل'':
"أطفالنا لا يحبون كرة القدم ولا يرسمونها أيضاً.. وعندما تطلب منهم المُعلّمةُ أنْ يرسموا كرةً يرسمون قنبلة! كُلّهم يرسمون القنبلة نفسها القنبلة التي لم تترك لهم قَـدَماً كي يلعبوا بالكرة" ص/ 67
وفي نص (مناجاة ابن الشهيد في يوم النصر):
"انهضْ يا أبي إنّه يوم النصر قُمْ من قبرك لنحتفل معاً فقد أحضرتُ لك ساقين اصطناعيتين وذراعاً وخمسة أصابع ليدك الأخرى.." ويستمر.. "يا أبي أريدك أنْ تحتفل معي فقد زينّتُ لك قارعة الطريق التي تتسوّل عليها والدتي كلّ يوم!!" ص/ 97
تنويع المعاني وإثارة المتلقي بالتكرار والتشبيه
يلجأ الشعراء عادة إلى التتشبيه في الوصف لبناء الصورة الشعرية وإلى التكرار بأنواعه لتأكيد المعاني وترسيخها في الذهن. وما يُميّز بعض نصوص بريد العائلة أنها جمعت الاثنين –التشبيه والتكرار التوكيدي- خصوصاً في النصوص التي تتكون من مجموعة مقاطع. وإذا اعتمدنا رؤية الشاعرة نازك الملائكة بشأن التكرار الواردة في كتابها "قضايا الشعر العربي المعاصر" من أنّ: "القاعدة الأساسية في التكرار أنّ اللفظ المكرّر ينبغي أن يكون وثيق الارتباط بالمعنى العامّ وإلّا كان لفظية متكلّفة لا سبيل إلى قبولها. كما أنّه لابدّ أن يخضع لكل ما يخضع له النصّ عموماً من قواعد ذوقية وجمالية".
وتفحصنا أسلوب الصكر في التكرار وفق هذه القاعدة، فسنجد أنه أتقن استخدام التكرار والتشبيه في صناعة صور شعرية محكمة بعيدة عن التكلف وثيقة الصلة بروح النص، رغم أن كل مقطع يحمل معنى خاصاً لكنه مرتبط بالمعنى العام للقصـيدة. أما في مجال التشبيه فإنّ ما يلفت النظر -مع وفرته في نصوص بريد العائلة- إسهاب الصكر في استخدام (كاف التشبيه) من بين عديد أدوات التشبيه. ومع إقرارنا بتفنّن الشاعر في تشبيهاته، إلا أننا نعتقد أنّ توظيف الاستعارة بدل التشبيه سيرتقي بالجملة الشعرية لتغدو ﺃﻜﺜﺭ إيحاءً ﻭﺃﻜﺜـﻑ ﻅـﻼﻻً.
ومن أوضح النصوص التي حفلت بالتكرار والتشبيه نص (تفيضين خُضرة في الحقول):
(1) جميلة أنتِ كأضغاث ملائكة بعيدة، كإلهٍ معزول. (2) جميلة أنتِ، كموجة راسية على ساحل يتيم..
وبهذا النسق يستمر بوح الشاعر، موظفاً تقنية التكرار وتشبيك الجملة بكاف التشبيه في جميع مقاطع القصيدة:
(6) جميلة كأنك تفيضين خضرة في الحقول وتستنزلين الغيث بابتسامة واحدة.. جميلة كأحجية. (7) جميلة أنتِ، كقارورة من الشِعر، جميلة كالمستحيل.. (8) جميلة كأغنية، بعيدة كقصيدة.." ص / 13
إن تكرار كلمة (جميلة) الواردة في النص وتشبيهها بجملة من الأشياء التي تتوافق مع الذائقة الجمالية المرهفة (أغنية، شعر، خضرة، ابتسامة.. إلخ) أسهم في إغناء دلالاتها وأكسبها قوةً تأثيرية في المتلقي بشكل متواتر متصاعد، حيث أتقن الصكر توظيف التكرار في هندسة النص الشعري مغرياً المتلقي لمواصلة القراءة مقطعاً بعد الآخر يشده الشغف لاكتشاف مآل انثيالات هذا البوح الشعري، ليكتشف أن كل تلك التشبيهات التي تناثرت مفردة على مساحة النص قد أعاد الشاعر جمعها ليصوغ منها عقد قلادة الخاتمة الأنيقة:
"بينما كنتِ أحجية أنا حلّها المستحيل وبينما كنتِ قارورة من الشِعر والأغنيات بين كل هذا وذاك كنتُ أنا دليلك إلى الغياب وشاهداً على كلّ هذا الجمال.." ص/ 16