جماليات الانكسار والعبث السياسي في قصص سيد أحمد الحردلو
في خرائط التلقي العربي، كثيرا ما يُختزل الوطن في اسم واحد، ويُضغط تاريخ كامل من الأصوات والتجارب داخل أيقونة سهلة التداول. هكذا يبدو السودان في قراءة شائعة: قناع شعري اسمه الفيتوري، وواجهة سردية تُدعى الطيب صالح. كيف يسمح الوعي لنفسه بهذا التبسيط؟ أهو عجز في النظر أم كسل في التلقي؟ السؤال أوسع من جغرافيا واحدة؛ إنه سؤال الضوء حين يختار زاوية واحدة ويترك بقية المشهد تتآكل في الظل.
من تلك العتمة الجزئية يطل اسم سيد أحمد الحردلو، لا كاكتشاف طارئ، لكن كذاكرة تقاوم النسيان. أديب يتحرك بين القصيدة والقصة القصيرة، كمن يجرب أكثر من نبرة لقلق واحد. ليست مجموعته القصصية "ملعون أبوكي بلد" أثرا قديما يُستخرج من أدراج الستينيات، إنما هي سجل شعوري لمرحلة كانت الأسئلة فيها أكثر فجاجة، والألم أقل تزيينا.
ظهرت هذه القصص في لحظة عربية مشحونة، زمن كانت الثقافة فيه تمشي على حبل مشدود بين التراث والاندفاع نحو الجديد. ما يسمى بجيل الستينيات لم يكن رقما في التقويم؛ كان حالة ذهنية، توترا جماليا، نزوعا إلى تفجير القوالب من داخلها. صعدت بعض الأصوات إلى الواجهة، وأُبعدت أخرى إلى الهامش. الحردلو من هؤلاء الذين لم ينصفهم سوق الشهرة الثقافية، ذلك السوق الذي يكتفي بعدد محدود من الوجوه ويعيد تدويرها.
ثلاث عشرة قصة تتوزع بين السودان ومصر، غير أن الانتماء الحقيقي فيها يتجاوز المكان. الشخصيات سودانية في ملامحها، إنسانية في أوجاعها: حب يتعثر، فقد لا يندمل، شيخوخة مثقلة بالذكريات، شوق إلى الأرض، قلق العمل، هاجس الرحيل. قد تبدو هذه الثيمات مألوفة، إذ إن خطورتها تكمن في قربها الشديد من حياتنا اليومية، في كونها تمر بنا من دون أن نتوقف عندها.
أثر الشاعر واضح في نسيج اللغة. هناك إيقاع خفي، حساسية عالية للتفاصيل، مع حرص دائم على عدم الانزلاق إلى الاستعراض. لا يلتهم الشعر القصة، ولا تتحول الحكاية إلى زخرفة لغوية. توازن محسوب بين الصورة والسرد، بين الإيحاء والحكي، كأن الشخصيات تعيش حوارا صامتا مع الأرض التي تقف عليها، ومع زمن يدفعها قُدُما أو يعيدها قسرا إلى الوراء.
من حيث التقنية، لا يبدو الحردلو مفتونا بالتجريب الشكلي الذي سيغزو القصة العربية لاحقا. حساسيته أقرب إلى النزعة الإنسانية، إلى تشيخوف تحديدا، حيث التفاصيل الصغيرة تتكفل بقول ما تعجز عنه الشعارات العريضة. يصل هذا القرب أحيانا إلى تخوم المحاكاة، كما في القصة التي تحمل عنوان المجموعة القصصية. هنا لا يخاطب البطل حصانا كما في نص تشيخوف، لكنه يبوح للقطار، هذا الكائن الحديدي العابر، بشكواه: ابن رحل من دون أثر، مدينة صماء، وعودة محملة بالهزيمة. يتحول القطار إلى شاهد صامت على انكسار الإنسان.
تبرز "الحصار" في قلب المجموعة، كمجاز مكثف للإنسان المعاصر. رجل ضائع في غابة، يرى خلاصه في حيوان صامت، يظنه جوادا فيقفز فوق ظهره. لماذا نثق بالمجهول؟ لماذا نختار أحيانا الطريق الأسرع نحو نهايتنا؟ حين يدرك أنه يمتطي نمرا، يكون الإدراك قد تأخر. الوهم سبق الفهم، ورغبة النجاة صارت سبب الهلاك. أليست هذه صورة زمن بأكمله؟
يعود الحيوان في "الملك"، حيث تعاد صياغة حكاية الأسد والثعلب والفأر. النهاية مشبعة بمرارة سياسية: غابة يُقيَّد فيها الأسد بحيلة الثعلب، ويُفك أسره بضعف الفأر، غابة لا تصلح للعيش. تبدو الجملة الأخيرة للأسد بيانا يائسا عن واقع عربي مختل، حيث تنقلب الموازين ويغدو العبث قاعدة.
في القصص العاطفية، تظهر شاعرية الحردلو في أنقى تجلياتها. "قدّيسة" مثال واضح: امرأة ترى العالم بطريقتها، ورجل يحاول الاقتراب عبر الحوار. تتقاطع الكلمات، الرؤى لا تلتقي، ويبقى الكلام أحادي الاتجاه. النهاية هادئة، انسحاب صامت ومرارة ثقيلة. هل يحتاج الفشل العاطفي دائما إلى كارثة مدوية؟ أم يكفي هذا العجز البسيط عن الفهم؟
من الروح نفسها تولد نصوص مثل "قصيدة" و"عزّة"، حيث تتداخل تخوم السرد والشعر. في "عزّة"، يعود شاب بثوب الزفاف ليجد الغياب في انتظاره. حدث وحيد، جملة شبه مقتضبة، غير أن الفراغ الذي يخلّفه أوسع من أي سرد مطول.
تحضر السياسة عبر سخرية قاتمة في "محاكمة". انقلاب يحاكم انقلابا، وضابط يساق إلى الإعدام، فيما تنشغل رغبات القضاة بغلمان وخليلات. المشهد فاضح ببساطته: أخلاق مزدوجة، سلطة بلا ضمير، وعدالة تنقلب إلى مسرح هزلي. أي معنى للحكم حين يغرق القاضي في نفاقه؟
العلاقة بين الأجيال خيط متكرر في أكثر من نص. الشيخ العائد مكسورا في "ملعون أبوكي بلد"، الجد الذي يبكي فرحا وحسرة في "جزيرة القمر"، والشيخ الذي يموت كمدا في القطار هربا من الفيضان. تنتقل الأسئلة من الكبار إلى الصغار، من التجربة إلى البراءة، كأن الكاتب يطرح سؤالا موجعا: ماذا نورّث لمن يأتون بعدنا؟ حكايات؟ أطلالا؟ أم أسئلة بلا أجوبة؟
أتت هذه المجموعة من بلد ما زال غامضا في مخيّلة كثير من القرّاء العرب، أدبا وحساسية ومسارا. سيد أحمد الحردلو شاهد على ثراء هذا الأدب، وعلى الإجحاف الذي طاله. ليست "ملعون أبوكي بلد" عنوانا غاضبا وحسب؛ إنها صرخة وجودية، احتجاج على وطن يُخيب أبناءه، وعلى قراءة لا ترى سوى ما اعتادت النظر إليه.