حرب الأعصاب وتقطيع الأوصال.. هل ينجح الضغط في كسر إرادة اللبنانيين؟

ما يحدث ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو محاولة لفرض معادلة جديدة على لبنان بأسره، عبر الضغط على الناس وإنهاك الدولة.

في سماء لبنان لم تعد أصوات الطيران الحربي مجرد أمر مخيف ومزعج، بل أصبح جزءاً من يومياتنا الثقيلة التي تنهش أعصابنا. فالغارات أصبحت توقيتاً مفتوحاً يعيشه اللبنانيون في كل لحظة، أمّا النجاة فهي ليست قاعدة، بل هي مجرد نصيب في وطن تحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية كبرى، لا علاقة للمواطن العادي بها.

وحتّى اليوم سقط مئات القتلى وآلاف الجرحى  في هذه الحرب، إضافة إلى نزوح مئات آلاف المدنيين من مناطقهم، خصوصاً في الجنوب والبقاع.

إنّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عادية، إنما هو إعادة تعريف لشكل الحرب، حيث تم إقحام الناس العاديين في قلب المواجهة بشكل مباشر ومقصود. فالبيوت التي تُقصف، والعائلات التي تُمحى أسماؤها من السجلات في لحظة، تحول المدن والقرى إلى فراغات صامتة تسكنها الأنقاض. حتّى بات همّ اللبناني أن ينجو بنفسه وبعائلته في كلّ مرّة. لكن والأخطر من الانفجار نفسه، هو تلك السياسة الممنهجة التي تهدف إلى تفريغ الأرض وقطع الأوصال. فالتحذيرات الإسرائيلية التي تطلب إخلاء مناطق وبلدات بأكملها ليست مجرد تنبيهات أمنية، إنّما هي خطة واضحة لتهجير الناس وتغيير جغرافية المكان. ويترافق هذا التهجير مع تدمير متعمد للجسور والطرق الحيوية، خاصة في الجنوب، بهدف عزله تماماً عن باقي المناطق اللبنانية، وحصر المعركة في مساحة مخنوقة ومقطوعة عن أي تواصل وطني، وكأن الهدف هو جعل الجنوب جزيرة معزولة تحت النار.

وتزايدت التهديدات والإنذارات لتصل إلى حد تهديد البنى التحتية اللبنانية، وهنا تظهر قمة العبثية والظلم. نحن نتحدث عن شبكات كهرباء ومياه وطرقات هي أصلاً متهالكة وبالكاد تخدم الناس في أبسط احتياجاتهم اليومية. إنّ استهداف هذه المرافق هو ضرب لآخر مقومات الصمود.

وبجانب هذا التدمير المادي، تُشن حرب نفسية شرسة عبر الرسائل للإخلاء الفوري والاتصالات المجهولة التي تزرع الذعر الجماعي. الناس تهرب بأطفالها إلى الشوارع بلا خطة، ليتحول الهاتف إلى مصدر رعب تماماً كأصوات الطائرات. إنّ هذا التفكيك البطيء للإحساس بالأمان يهدف إلى إيصال المجتمع إلى حالة من الاختناق واليأس، بحيث يصبح الانتظار المرّ لوقوع الضربة سلاحاً يقتل الهدوء والقدرة على التفكير.

ومن الواضح أن ما يحدث ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو محاولة لفرض معادلة جديدة على لبنان بأسره، عبر الضغط على الناس وإنهاك الدولة. فلبنان اليوم لا يملك قرار سلمه أو حربه بشكل كامل، لبنان بلدٌ مخطوف هو وشعبه، وتتقاطع فوق أرضه صراعات نفوذ أكبر منه بكثير، وقد دخل حرباً لا ناقة ولا جمل له فيها. حربٌ تُرِك فيه المواطن وحيداً في مواجهة قدره، بينما يكتفي المجتمع الدولي ومنظماته بدور المتفرج الذي يحصي الضحايا ويصدر بيانات القلق التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد أثبتت هذه الأزمة أن المنظومة الدولية تتحرك فقط لمصالح الكبار، أما وجع اللبنانيين وبيوتهم وجسورهم المقطوعة فهي مجرد أرقام في تقارير تُحفظ في الأدراج.

ولا تقف المأساة عند القصف، بل تمتد إلى الطرقات حيث يعيش آلاف النازحين في خيم مؤقتة لا تقي حرّاً ولا برداً، بعد أن فقدوا بيوتهم واستقرارهم. في ظل دولة عاجزة ووزارات مهترئة واقتصاد منهار، يتحول النزوح إلى سقوط اجتماعي ومعيشي، يفقد فيه الإنسان أبسط مقومات الأمان والأمل.

والمؤلم أن هذا المشهد يتكرر في لبنان دون أن نتعلم. بلد يعيد إنتاج أزماته، وشعب يُدفع نحو الهاوية نفسها، وكأن دروس التاريخ والجغرافيا لا تُقرأ. لقد أثبتت التجارب أننا، تحت الضغط، لا نتماسك بل ننزلق سريعاً نحو الانهيار.

إنّ هذا النمط من التصعيد غالباً ما يسبق محاولات فرض تسويات جديدة أو تغيير قواعد الاشتباك في المنطقة. فاللبنانيين في قلب معادلة صعبة لا ترحم. الناس أتعبها الخوف، والوجوه لم تعد تشبه نفسها من كثرة الهم، وتسأل بصمت عن مدّة بقائها مجرد ساحة تدار فوقها حروب الكبار العبثية. وهل هناك مخرجٌ من هذه المحرقة الجماعية؟