حين تسافر اللوحة أكثر مما يسافر الجسد في معرض الفن العربي بين بيروت ولندن
في ديسمبر/كانون الاول من عام 2025، حين كانت بيروت تغسل تعبها بمطرٍ شفيفٍ يشبه الاعتراف، فُتحت أبواب معرض الفن العربي لا كفعالية ثقافية عابرة، بل كنافذة واسعة على سؤال أكبروهو هل ما زال الفن العربي قادراً على أن يعرّف نفسه بنفسه، خارج خرائط السياسة، وخارج نظرات الاستشراق، وخارج حنينه الأبدي إلى ماضيه؟ ثم، في أواخر يناير 2026، انتقلت التجربة إلى لندن، لا لتكرّر نفسها، بل لتختبر ذاتها في مرآة أخرى. بين المدينتين لم تنتقل الأعمال فقط، بل انتقل معنى كامل أي معنى أن يكون للفن العربي جسدٌ يتنفس في الشرق، وصوتٌ يُسمع في الغرب، وهو لا يعتذر عن هويته ولا يتخفّى خلف أقنعة الحداثة المستوردة.
لم يكن المعرض مجرد تجمّع لوحات ومنحوتات وصور فوتوغرافية. كان، في جوهره، مساحة لطرح سؤال الهوية من جديد. فالفن العربي، منذ عقود، يعيش بين حدّين أولهما حدّ الذاكرة وثانيهما حدّ المعاصرة. بين زخرفةٍ تذكّر بالمآذن، وتجريدٍ يتكئ على مدارس أوروبية، وبينهما تتقلّب الأجيال. جاء المعرض ليقول إن الهوية ليست قالباً جاهزاً، بل طاقة مستمرة على التحوّل. إن العروبة ليست شعاراً، بل تجربة جمالية تتبدّل بحسب الجغرافيا والزمن واللغة والجرح والأمل.
في بيروت، بدا المعرض كأنه يخرج من قلب المدينة نفسها. بيروت التي تعرف كيف تحوّل الركام إلى شرفة، والخراب إلى قصيدة، كانت المسرح الأمثل لعرض هذا التنوّع. هنا، لم يكن الفن ترفاً. كان ضرورة. اللوحات التي عُلّقت على الجدران بدت كأنها تحاول أن تعيد رسم المدينة من جديد. مدينة لا تختصرها نشرات الأخبار، بل تتسع لألوان الزيت، لخشب المنحوتات، لشخوص في الصور الفوتوغرافية، ولخطوط الحبر التي تكتب أسماءها بخجل وجرأة في آن.
الجمهور في بيروت لم يكن متلقّياً صامتاً. كان شريكاً في الحوار. الفن في هذه المدينة لا يُشاهَد فقط، بل يُناقَش. تتجمّع الحلقات حول عملٍ ما، تُقال الآراء، تُثار الاعتراضات، يُستدعى التاريخ. وكأن كل لوحة تُعرَض تدخل فوراً في نقاش عام حول معنى أن نكون عرباً اليوم. هل نحن امتدادٌ لتقاليد جمالية راسخة؟ أم أننا أبناء مدن فنية كبرى متلاحمة مع الماضي؟ أم أننا نحمل الاثنين معاً، في توترٍ دائم لا يُحسم؟
من أبرز أهداف المعرض في نسخته البيروتية أنه لم يسعَ إلى تقديم صورة واحدة للفن العربي، بل إلى كسر فكرة الصورة الواحدة أصلًا. كان هناك التجريد الصافي الذي لا يحيل إلى شيء محدد، كأنه يريد أن يتحرر من عبء التمثيل. وكان هناك التشخيص الذي يضع الجسد العربي في مركز اللوحة، لا بوصفه موضوعاً فولكلورياً، بل بوصفه كائناً معاصراً، قلقاً، مفكّراً، عاشقاً، مكسوراً. وكان هناك أيضاً الفن المفاهيمي، الذي لا يكتفي بالشكل، بل يحمّل العمل أسئلة فلسفية حول السلطة والذاكرة واللغة.
ثم جاءت لندن.
في الانتقال إلى لندن، لم يكن الأمر مجرد تغيير موقع جغرافي. كان انتقالًا من فضاءٍ مألوف إلى فضاءٍ يتطلب إعادة تعريف الذات أمام عينٍ أخرى. في بيروت، كان الفن العربي يتحدّث إلى ذاته، حتى لو كان هناك حضور أجنبي. أما في لندن، فقد وجد نفسه في قلب مدينة تُعدّ من أهم مراكز السوق الفنية العالمية. إذ تُقاس الأعمال ليس فقط بقيمتها الجمالية، بل أيضاً بقيمتها السوقية، وبقدرتها على الدخول في حوار مع تاريخ طويل من المدارس والتيارات.
النجاح الأول للمعرض في لندن كان أنه لم يحاول أن يتنكّر لأصله. لم يأتِ ليقول: نحن نشبهكم.بل جاء ليقول: نحن نختلف، وهذا الاختلاف هو ما يجعل الحوار ممكناً الأعمال التي عُرضت هناك لم تتخلّ عن لغتها البصرية الخاصة. بل بالعكس، بدا وكأنها ازدادت وضوحاً. كأن الغربة منحتها تركيزاً إضافياً. كأن الفنانين شعروا أن عليهم أن يتكلموا بصدق أكبر، لأنهم أمام جمهور لا يعرف تفاصيل السياق الذي جاءوا منه.
في لندن، تحوّل الفن العربي من موضوع يُعرَض بوصفه فناً من الشرق الأوسط إلى فن يُناقَش بوصفه تجربة جمالية قائمة بذاتها. هذا التحول ليس بسيطاً. إنه انتقال من خانة الجغرافيا إلى خانة القيمة. من كونك ممثلًا لمنطقة إلى كونك صاحب مشروع فني. وهنا يكمن أحد أبرز نجاحات المعرض لأنه أسهم في كسر النظرة الاختزالية التي ترى في الفن العربي مجرد تعبير عن صراعات سياسية أو أزمات اجتماعية.
لم يكن هذا الكسر سهلاً. فهناك دائمًا توقعات مسبقة: أن يكون الفن العربي مشبعاً بالخط العربي، أو بالرموز التراثية، أو بالصور النمطية عن الصحراء والحروب والهجرة. لكن المعرض قدّم طيفاً واسعاً من التجارب التي أربكت هذه التوقعات. هناك أعمال لا تشير إلى أي مرجعية واضحة، بل تنتمي إلى حساسية كونية. وهناك أعمال تنغمس في تفاصيل الحياة اليومية، من دون أن تحوّلها إلى خطاب مباشر. هذا التنوع هو ما أعطى المعرض قوته.
أحد الأهداف العميقة للمعرض، في نسختيه، كان بناء جسر. لكن ليس جسراً سطحياً بين شرق وغرب، بل جسراً بين أجيال أيضاً. فالفن العربي اليوم لا يُختصر في جيل الروّاد، ولا في جيل الشباب فقط. بل هو نسيج متداخل من تجارب متراكمة. في المعرض، كان يمكن أن ترى عملًا لفنان مخضرم، يقف بجانبه عمل لفنانة في بداية مسيرتها. بين العملين مسافة زمنية، لكنهما يتحاوران. كأن الفن هنا يرفض فكرة القطيعة المطلقة بين الماضي والحاضر.
نجاح آخر تمثل في خلق شبكة علاقات جديدة. فالمعرض ليس مجرد عرض أعمال، بل هو أيضاً مساحة لقاء. بين فنان وناقد. بين فنان وصاحب غاليري. بين فنان وجامع أعمال. هذه الشبكة هي ما يمنح الفن حياة تتجاوز أيام العرض. كثير من المشاركين عادوا من لندن باتفاقيات عرض جديدة، أو بدعوات لإقامات فنية، أو بشراكات مستقبلية. وهنا يتحوّل المعرض من حدث إلى عملية مستمرة.
لكن الأهم، ربما، هو الأثر الرمزي. أن يُقام معرض بهذا الحجم في بيروت، في ظل ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، هو بحد ذاته رسالة. رسالة تقول إن الثقافة ليست رفاهية، بل مقاومة. وأن الفن، حتى حين لا يرفع شعاراً مباشراً، يساهم في إعادة بناء المعنى. ثم أن ينتقل إلى لندن، ليجد صدى هناك، هو تأكيد على أن الفن العربي ليس هامشياً. إنه قادر على أن يكون جزءاً من المشهد العالمي، لا كضيف، بل كشريك.
بين بيروت ولندن، تغيّر الضوء الذي يسقط على الأعمال. في بيروت، كان الضوء مشبعاً بحرارة المكان، بتاريخ المدينة، بذاكرة الحرب والسلم. في لندن، كان الضوء بارداً، محايداً، أقرب إلى المختبر. لكن الأعمال نفسها أثبتت أنها قادرة على العيش في الضوءين معاً. وهذا ربما هو المعنى الأعمق للنجاح أن تكون قادراً على أن تُرى في سياقين مختلفين، من دون أن تفقد نفسك.
لقد أثار المعرض أيضاً أسئلة داخلية حول معنى الفن العربي نفسه. هل هو الفن الذي ينتجه فنانون عرب فقط؟ أم هو كل فن يتناول موضوعات تتعلق بالعالم العربي؟ وهل يمكن لفنان يعيش في المهجر منذ عقود أن يُصنَّف ضمن هذا الإطار؟ هذه الأسئلة لم تُحسم، وربما لا يجب أن تُحسم. فالغموض هنا ليس ضعفاً، بل مساحة للتفكير.
في إحدى القاعات، كانت هناك أعمال تستلهم الخط العربي، لكن بطريقة تفككه وتعيد تركيبه. في قاعة أخرى، كانت هناك أعمال رقمية تستخدم تقنيات حديثة، من دون أي إشارة مباشرة إلى التراث. هذا التباين لم يُضعف المعرض، بل أغناه. لأنه كشف أن الهوية ليست في الشكل وحده، بل في الحساسية، في الطريقة التي يُرى بها العالم.
إذا كان للمعرض من إنجاز فكري، فهو أنه حرّر الفن العربي من ثنائية الدفاع والهجوم. لم يكن دفاعاً عن أصالة مهددة، ولا هجوماً على حداثة مفروضة. بل كان اقتراحاً ثالثاً أن نكون نحن، ببساطة، في تعقيدنا الكامل. أن نقبل بأن الفن العربي قد يكون متناقضاً، متشظياً، متعدّداً. وهذا التعدد ليس أزمة، بل ثراء.
في النهاية، يمكن القول إن معرض الفن العربي، بين بيروت ولندن، لم يكن مجرد حدثين متتاليين، بل كان رحلة. رحلة من الداخل إلى الخارج، ومن الذات إلى الآخر، ومن المحلي إلى العالمي. في بيروت، كان السؤال هو ماذا نقول عن أنفسنا؟ وفي لندن، كان السؤال هو كيف نُسمع هذا القول في فضاء أوسع؟ بين السؤالين تشكّلت تجربة تستحق التأمل.
ربما لن يغيّر معرض واحد مسار الفن العربي بالكامل. لكن يمكن لمعرض أن يفتح نافذة، أن يخلق لقاءً، أن يزرع شكاً صحياً في المفاهيم الجاهزة. وهذا ما حدث. فهل سيبقي أثركل الأعمال التي تم عرضها في النقاشات، في العلاقات الجديدة، في الوعي بأن الفن العربي ليس هامشاً في كتاب العالم، بل فصلٌ يُكتب الآن، بألوانه الخاصة؟