حين يفضح الضوء الصمت المحيط بنا في اعمال التشكيلي أدوارد هوبر
يعد أدوارد هوبر من أبرز الفنانين الأميركيين الذي صاغ مفهوم الصمت وفق رؤية معاصرة، مسلطاً الضوء على التوتر الخفي الذي يسكن حياة الفرد في المجتمع الأميركي أبان أزدهار الحضاري في مطلع القرن العشرين. رسم هوبر في إعماله ذلك الحضور المكثف للصمت، لذلك لا تجد في إعماله تفاصيل ومفردات كثيرة، وإنما جعل للضوء والفراغ والفضاءات التي تسكن أعماله قوة تعطي المشاهد والمتلقي ذلك الشعور العاصف للوحدة والعزلة التي يعيشها الإنسان في النصف الأول من قرن العشرين رغم أن ذلك الإنسان محاط بكل مفردات التطور ومفردات الحياة المترفة.
هندسة المشهد في إعمال هوبر
تكمن أهمية الفن في القدرة على ألتقاط تلك المفارقة أو العلامة التي تسكن المجتمع وتشكل ظاهرة تثير الأسئلة والتكهنات، ويحولها من خلال اللون والخط والظل والضوء إلى مساحة جمالية مرئية إلى المجتمع. كان هدف إدوارد هوبر هو صياغة أسلوب فني يناسب الموضوع المعالج فنياً، والذي يأخذ بُعد أجتماعي ونفسي ويعالجهُ برؤية فنية فلسفية.
فلجأ هوبر إلى أستغلال المساحات الكبيرة من خلال وضع شخوصه فيها، ليجعل للصمت وقع حسي مدوي من دون صوت!! وتلك عظمت الفنان حين يصل إلى هكذا تمثيل لموضوع يشغل فكر الإنسان، حين يحاصر بالعزلة ويعيش صمت الأشياء التي تحيط بهِ. ولم يكتفِ إدوارد هوبر باستخدام الفضاءات الكبيرة الفارغة في أعماله، وإنما لجأ إلى قوة الضوء التعبيرية، فكان الضوء ينساب على الوجوه والأجساد، فيخلق ذلك التباين الحاد بين الضوء والظل عمق درامي للعمل، ومع وجود الفضاءات أو الفراغات الواسعة في هذه الأعمال ساهم كل ذلك في خلق جو من العزلة والصمت مهيمن على شخصياته وأبطاله في هذه الأعمال. أحيانا تجد شخص واحد يتسيد العمل وهو يعيش حالة من الأستغراق والتفكير، وأخرى تجد لوحة فيها شخصيات متعددة ولكن ولكن لايجمعهم نقاش او حوار سوى الصمت أو الأنشغال الذاتي.
الملاحظ في أعمال ادوارد هوبر، أن معالجة الفنان لموضوع الصمت والوحدة كان بحاجة إلى نمط جديد في أستخدام الضوء والظل والفضاءات الكبيرة واستخدام أطارات وخطوط طويلة وحادة لإعطاء صيغة جديدة للفكرة والموضوع الذي يشتغل عليه، فهو دون أن يصل إلى هذا النمط الجديد من أستخدامه لهذه العناصر لن يستطيع أن يجعل الفكرة التي يطرحها للجمهور لها صدى وعمق كبير.
الصمت مساحة للتأمل ومرآة للعزلة
إدوارد هوبر كان يؤمن بأن للصمت قوة عاطفية وشعور طاغي لا يقل عن الفعل الحركي للصوت واللغة، لذلك كان يرسم لحظات ومشاهد يسودها الصمت لأشخاص جالسين بمقهى أو باص احدهم يقرأ الجريدة وآخر ينظر إلى فنجان القهوة دون الاشتراك بحديث مشترك، وكأن الزمن توقف في لحظةٍ ما، ويترك للمشاهد أن يتمعن في العمل، وكأنهُ يحاول أشراكهُ في حوار صامت مع العمل يشترك فيه المشاهد باحساسه وهو يعيش تلك اللحظة الزمنية ويتمثلها.
يقول هوبر "أن الفن الجيد يترك للمشاهد شيئاً يكملهُ بنفسه" لهذا فهو كان يستخدم في عدد من أعماله أشبه بالسرد القصصي أو لنقل يرسم مشاهد من الحياة ذات مواضيع مفتوحة، أي تكون هذه المشاهد والمواضيع بحاجة إلى تتمة ليشترك المشاهد في تفسير والتأويل وإكمال المشهد. هوبر لم ينظر إلى الوحدة والصمت بنظرة سلبية، بل وجد فيهما طاقة روحية ممكن أن يصنع منهما الإنسان لحظة تأمل وانطلاق في حياتهِ. لذلك كان هوبر يلتقط تفاصيل جزئية من الحياة اليومية ويحملها بطاقة لونية مفعمة بالحيوية من خلال استغلال قدرة بعض الألوان في تأثير على أحساس المشاهد وتفاعله الإيجابي مع العمل. فهو يريد أن يقول أن هناك جمال نجهله في الحياة يكمن في تفاصيلها التي أهملها الإنسان بتكرار يومياته وانشغالاته الحياتية.
لقد صور إدوارد هوبر روح الحياة الأمريكية التي كانت وما تزال تتجسد واقع المجتمع إلى يومنا هذا. فهو حيناً يرى ممكن أن تكون هذه العزلة خيار شخصي في حياة متسارعة ومضطربة، لذلك يلجأ إليها الإنسان كخيار للشعور بالسكينة وأخذ مساحة من التأمل والعزلة. وحيناً آخر هو ينظر إلى هذه الوحدة حالة سيكولوجية من الصمت التي يعيشها أفراد المجتمع، يشتركون معك في المقهى والباص والمكتبة والشارع، إلا انك لن تستطيع أن تصل إليهم وتشاركهم الحياة والأحاديث اليومية!! وتلك من أقسى تناقضات الحياة حين تشعر العزلة في وسط مليء بالناس!! أنها عزلة بغيضة تجعل الإنسان يتوقف عندها ليعيد ترتيب نهج وإسلوب حياته. ومهما اختلفت تفسيراتنا أتجاه ما قدمهُ إدوارد هوبر في إعمالهِ إلا أنها تبقى من الإعمال المهمة في تاريخ الفن الأمريكي المعاصر في تفسير نمط الحياة وطريقة اختيار أفكاره وأسلوب معالجته لهذه المواضيع وتقديمها بتقني وأسلوب فني مبتكر جميل.


