رحلة بزناني لكسر نمطية التعليم الفني..مختبر مفتوح للخيال
الرباط - من أغلفة المجلات العالمية إلى محفظة التلميذ المغربي، هكذا قطعت سريالية أشرف بزناني الطريق لتستقر في صلب المنهاج التعليمي. رحلة بصرية فانتازية تروض التكنولوجيا الرقمية لتمنح الأجيال الصاعدة مفاتيح رؤية العالم بعيون لا تعرف المستحيل.
في انعطافة غير مسبوقة تخلت فيها المنظومة التربوية عن تقليديتها المعهودة، شهدت المقررات الدراسية بالمغرب اقتحاماً صريحاً لعوالم الفن المفاهيمي. فقد استقر اختيار القائمين على الشأن التعليمي على إدراج المنجز الفوتوغرافي للفنان السريالي أشرف بزناني ضمن صفحات كتاب الجديد في التربية الفنية، ليتحول الحلم واللامنطق من مجرد رغبات فنية حبيسة الأروقة النخبوية إلى مادة حيوية تدرس لأجيال المستقبل.
فك الارتباط مع المألوف
هذا المنجز المنهجي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج رؤية استشرافية لفريق تأليف متمكن يضم كلاً من: توفيق مفتاح، منير الأحمر، عبد النبي الحراق، لحسن نيازي، محمد أبوسيف، ومحمد أمين العمري. هؤلاء الخبراء راهنوا على خلخلة الثوابت البصرية التي حصرت الفن المدرسي طويلاً في خانة المحاكاة الحرفية للطبيعة والواقع، مستبدلين إياها بجماليات التضاد التي يبرع فيها بزناني.
من خلال استعراض لقطات فوتوغرافية يتداخل فيها الواقع بالخيال السريالي، حيث يقف الإنسان مذهولاً أمام أشياء يومية عملاقة أو يمارس مهاماً مستحيلة في فضاءات حلمية، يضع المؤلفون مفتاح، الأحمر، الحراق، نيازي، أبوسيف، والعمري التلميذ أمام اختبار حقيقي لقدراته التأويلية. إن الهدف هنا هو أنطولوجيا الرؤية، أي تعليم الطفل كيف يشيد عالمه الخاص بعيداً عن قوانين المنطق الصارم.
المحلي في مواجهة الكوني
تكمن عبقرية هذه السابقة، في تقديم نموذج لمبدع مغربي استطاع أن يطوع الوسائط الرقمية والعدسة الفوتوغرافية لتصبح أدوات لقول الشعر البصري. وبدلاً من الاتكال على مرجعيات غربية عابرة للقارات، اختارت اللجنة العلمية تجربة أشرف بزناني كشاهد على حيوية الإبداع الوطني وقدرته على المنافسة في المحافل الفنية الدولية.
بزناني، الذي استطاع عبر سنوات من الاشتغال العصامي أن ينتقل بصوره من مراكش إلى أغلفة المجلات العالمية المرموقة ومعارض الأنتيرنيشنل، يقدم اليوم للمتعلم درساً في الإمكان. إنه يثبت أن الصورة ليست مجرد انعكاس لما تراه العين، بل هي منصة لما يبتكره العقل من احتمالات لا نهائية.
نحو جيل متحصن بصرياً
إن هذه الخطوة التربوية الجريئة تهدف في عمقها إلى بناء حصانة بصرية لدى الطفل في مواجهة سيل الصور الاستهلاكية المسطحة. فسريالية بزناني، بتعقيداتها البسيطة وظلالها الفلسفية، تدفع الناشئة نحو القراءة العميقة للصورة، والبحث عن المعنى المتواري خلف الألوان والأشكال.
بهذا، تغادر التربية الفنية في المغرب عباءة المادة التكميلية لتصبح ركيزة أساسية في بناء الشخصية النقدية. وبفضل مجهودات الفريق المؤلف، بات الفصل الدراسي مختبراً مفتوحاً للاحتفاء بالخيال الخلاق، حيث تتماهى الحدود بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، في رحلة بصرية يقودها فنان آمن بأن الواقع هو مجرد مسودة قابلة لإعادة الرسم.