رسائل النار والدم والنفط

طهران تسعى لرفع كلفة استمرار الحرب إلى مستوى غير قابل للتحمل سياسيا واقتصاديا إقليميا ودوليا.

تبدو الهجمات الصاروخية والمسيرات الإيرانية التي تطال دول الخليج النفطية منذ أواخر فبراير/شباط وكأنها ليست مجرد ردّ عسكري تقليدي، بل جزء من استراتيجية إيرانية أوسع لإدارة الصراع عبر "توسيع دائرة القلق" بدل حسم المواجهة المباشرة، في انتهاكات لا ترى فيها طهران حرجا تحت مبرر استهداف "المصالح الغربية" لزيادة الضغوط ودفع واشنطن وتل أبيب لوقف الحرب.

ويبدو أن النظام الإيراني الذي أصبح بعد مقتل كبار القادة وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي وأمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، في قبضة قادة أكثر تشددا، يتجه لإشعال حرب شاملة على امدادات الطاقة للعالم، في حرب تتعاظم فيها الكلفة على الجميع.

ومع اعتراض السعودية الجمعة 26 طائرة مسيّرة، وتعامل الإمارات مع 4 صواريخ باليستية و26 مسيّرة، وتصدي الكويت لهجمات متكررة، إضافة إلى حريق في البحرين جراء شظايا، يتشكل مشهد إقليمي عنوانه: الضغط غير المباشر على واشنطن عبر خاصرتها الاقتصادية الحساسة.

وهذا النمط من الهجمات يعكس تحولا في طريقة إدارة طهران للصراع، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على تبادل الضربات مع إسرائيل، بل امتدت لتشمل محيط الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. ولا يبدو الهدف هنا عسكريا بحتا، بل سياسيا بامتياز بما يعني خلق حالة من عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، بما يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة حساباتها بشأن كلفة استمرار الحرب.

وتردد صدى هذه الكلفة في الكونغرس الأميركي الذي شهد انقسامات حادة حول تمويل إضافي للحرب وسجالات سياسية ومخاوف من استنزاف مالي حاد اذا طال أمد الحرب أكثر. وارتدادات الأزمة الراهنة تذهب إلى أبعد بكثير من حدودها الجغرافية الحالية مع بقاء أحد أهم شرايين امدادات الطاقة للعالم تحت النار، فالخليج، بما يضمه من منشآت نفطية وممرات تصدير حيوية، يشكل شريان الطاقة العالمي وأي استهداف متكرر لهذه البنية التحتية، حتى وإن كان محدود الأثر ميدانيا، يحمل رسالة ثقيلة للأسواق: الإمدادات ليست في مأمن والهجوم على مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت، للمرة الثانية خلال 24 ساعة، يعكس هذا المنطق بوضوح، إذ يكفي تعطيل جزئي أو مؤقت في منشأة حساسة لرفع منسوب القلق في الأسواق، وبالتالي التأثير على الأسعار.

وتدرك إيران أن الولايات المتحدة، خاصة في ظل إدارة دونالد ترامب، تواجه ضغوطا داخلية مرتبطة بالاقتصاد وأسعار الطاقة. ومن هنا، فإن نقل التوتر إلى دول الخليج يضع واشنطن أمام معادلة معقدة: إما الاستمرار في الحرب مع ما قد يترتب عليها من ارتفاع في أسعار النفط واضطراب في الإمدادات، أو البحث عن مخرج سياسي يخفف من التصعيد.

ولا يقتصر التأثير على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الأمني الإقليمي، فاستهداف دول لم تنخرط مباشرة في العمليات العسكرية ضد إيران يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، ويهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية وهو ما قد يدفع هذه الدول إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على واشنطن لاحتواء التصعيد، حفاظا على استقرارها الداخلي ومصالحها الاقتصادية.

ويمكن قراءة الهجمات الإيرانية كأداة "ردع معكوس"، حيث لا تستهدف إلحاق هزيمة عسكرية مباشرة بالخصوم، بل رفع كلفة استمرار الحرب إلى مستوى غير قابل للتحمل سياسيا واقتصاديا، ليتشكل مشهد يبدو أشبه بلعبة شدّ حبال على حافة سوق النفط العالمي، حيث يضيف كل صاروخ أو مسيّرة وزنا جديدا على كفة الضغوط.

لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من المخاطر، فاستمرار استهداف المنشآت الحيوية قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى توسيع نطاق الرد، ما يهدد بانزلاق المنطقة إلى مواجهة أكثر شمولا. كما أن أي خسائر بشرية كبيرة في دول الخليج قد تغيّر قواعد الاشتباك، وتدفع هذه الدول إلى مواقف أكثر حدة.

وإلى حد الآن تلتزم دول الخليج بضبط النفس والرد في حدود الدفاع عن النفس وحماية السيادة، إدراكا منها بأن اتساع نطاق الحرب ستكون كلفته الاقتصادية والبشرية عالية جدا، بينما لم يكن هذا الموقف طارئا في مشهد مشحون حتى قبل الحرب، فقد سبق لهذه الدول أن حشدت وتحركت وحذرت من أي صراعات مسلحة في المنطقة ودفعت بكل قوة دبلوماسية ممكنة ومتاحة لحلول سياسية للأزمة.

لكن مكابرة طهران وعناد ترامب والأجندة الإسرائيلية المعلنة حالت دون أن تحقق الدبلوماسية الخليجية اختراقا كبيرا يمنع الحرب. وتدرك إيران ذاتها أن جوارها الخليجي لم يدفع لتلك الحرب ولم يكن راغبا فيها وهو ما أكدته تقارير غربية، إلا أن انسياقها في لعبة الشد والجذب أوصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم حيث علا صوت الرصاص على صوت الحكمة والتعقل.

والمشهد بتجلياته الراهنة يظهر بكل وضوح أن إيران تحاول عبر إبقاء الخليج تحت النار، رسم معادلة واضحة: أمن الطاقة مقابل وقف الحرب. وبينما تتصاعد وتيرة الضربات، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة هذا الضغط على دفع واشنطن وتل أبيب إلى إعادة النظر في استراتيجيتهما، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدا، حيث يصبح الخليج نفسه ساحة مركزية في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا التقليدية.