رقصة على حافة الهاوية
خرج اسم علي الزيدي من بين دهاليز التوافقات ليعتلي واجهة المشهد العراقي، بعدما كلفه الرئيس نزار آميدي، مساء الاثنين، بتشكيل الحكومة الجديدة. تكليف لم يكن مجرد إجراء دستوري روتيني، بل كان تتويجًا لمشاورات غرقت في شد وجذب داخل البيت الشيعي ممثلا في الإطار التنسيقي صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر في مجلس النواب.
ويبدو أن قوى الاطار التنسيقي وجدت في الزيدي مخرجا مناسبا لإنهاء حالة الانسداد السياسي التي خيمت على البلاد وهزت صورة البيت الشيعي وأظهرت أن الشغل الشاغل كان على النفوذ والمصالح ضمن نظام المحاصصات لا المصالح الوطنية، وهي علة عراق ما بعد 2003.
التوافق على الزيدي لم يولد بسهولة، بل تشكل تدريجيا بعد إعلان شخصيات بارزة مثل نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، انسحابهما من سباق الترشح، وهو انسحاب لم يكن خيارا أو تنازلا بل رقصة على حافة الهاوية بضغط من المهل الدستورية من جهة ولحفظ ماء الوجه من جهة ثانية بعدما أحدثت الخلافات شرخا عميقا داخل البيت الشيعي "التنسيقي".
وبدا واضحا أن قادة التنسيقي كمن تحرك في اللحظات الخطيرة، وفق استراتيجية دفع الأزمات إلى أقصى حدودها الممكنة دون الوقوع في الصدام الشامل، ليخرجوا في النهاية بتوافق على حافة الهاوية مع ضمان الاستمرار في البقاء عبر المراوغة لإثبات أنه "الضرورة الوحيدة" التي تمنع السقوط في هذا الفراغ.
والمشهد بخواتمه الراهنة أنهم (قادة التنسيقي) مارسوا لعبة استنزاف الوقت والمناورة في بيئة هشة جدا، مراهنين على أن أحدا داخليا أو خارجيا، لن يجرؤ على دفعهم نحو السقوط لأن البديل هو الفوضى.
وتنازل السوداني والمالكي بعد الشد والجذب، من الصعب أن يكون تتويجا لمشاورات دون صفقة سياسية بين قادة الإطار، صفقة قد تتضح ملامحها حين تُعلن حصة كل حزب من الحقائب الوزارية والمؤسساتية.
والتنازل قد يفهم سياسيا على أنه فتح الطريق أمام مرشح توافقي يُمكن أن يحظى بقبول أوسع داخل البيت السياسي الشيعي، ويخفف من حدة الانقسامات التي أعاقت اتخاذ قرار حاسم خلال المهلة الدستورية المحددة، لكن هذا المسار بما سبقه من تجاذبات وانقسامات يبدو أشبه بحقل ألغام أو السير على حافة الهاوية بالنسبة لرئيس الوزراء الجديد المكلف.
العراق كان قد دخل فعليًا في ما يشبه الفراغ الدستوري بعد تجاوز المهلة القانونية لتكليف رئيس الوزراء، وفق ما ينص عليه الدستور. هذا التعثر عكس حجم التعقيدات داخل المشهد السياسي، حيث اصطدمت الحسابات الداخلية بضغوطات خارجية، أبرزها الموقف الأميركي الذي أبدى تحفظًا على بعض الأسماء المطروحة، ما زاد من تشتت المواقف داخل الإطار التنسيقي بين التمسك بالقرار السيادي وتجنب العزلة الدولية.
وعلي الزيدي، البالغ من العمر 40 عامًا والذي ينحدر من محافظة ذي قار (جنوبي العراق)، يحمل خلفية أكاديمية في المالية والمصرفية إلى جانب القانون، وتنقل بين مواقع إدارية متعددة، من رئاسة مجالس إدارات شركات ومؤسسات تعليمية وطبية، إلى العمل في القطاع المصرفي، فضلًا عن عضويته في نقابة المحامين العراقيين.
وقد تمنحه هذه التجربة المتنوعة صورة 'التكنوقراط الإداري'، القادر نظريا على التعامل مع ملفات معقدة تتراوح بين الاقتصاد والإدارة العامة وفوضى السلاح والفساد وغيرها من الجروح الغائرة في الجسد العراقي، لكن علّة العراق ليست في استبدال وجه بآخر ولا عناوين بأخرى ولا بشعارات بأخرى، بل في استبدال الفراغ بالفعل والإصلاح والعدالة.
وسيجد الزيدي الذي ورث تركة ثقيلة من الأزمات، نفسه أمام اختبار صعب داخليا وخارجيا، في علاقة بأكثر من ملف من الفوضى السياسية والأمنية والمشاكل الاجتماعية ومسار العلاقات بين بغداد وإقليم كردستان إلى ضبط العلاقة مع الخصمين ايران والولايات المتحدة ومع دول الجوار (تركيا والخليج).
ويجد العراق نفسه في قلب توازنات إقليمية ودولية معقدة، ما يضع الحكومة المقبلة أمام ضرورة إدارة علاقات خارجية دقيقة، دون التفريط بالسيادة أو الوقوع في عزلة.
تقول المعلومات المتوفرة إن الزيدي سيركز على إصلاح مؤسسي شامل وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، مع إيلاء اهتمام خاص بتمكين الشباب وربط التعليم بسوق العمل، وهي ملفات طالما شكلت تحديات مزمنة في العراق وهي الملفات التي وعد سلفه محمد شياع السوداني بمعالجتها.
والطريق أمام الزيدي لن يكون مفروشًا بالورود، بل محفوفًا باختبارات صعبة، فمهمة تشكيل الحكومة تتطلب موازنة دقيقة بين القوى السياسية المختلفة ضمن نظام المحاصصة الذي يوزع المناصب العليا بين المكونات الرئيسية. وفي ظل هذا النظام، يشغل الأكراد منصب رئاسة الجمهورية، فيما يذهب منصب رئيس الوزراء للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني.
ويمكن قراءة تكليف الزيدي كحل وسط، أشبه بجسر مؤقت فوق نهر متلاطم من الخلافات، فهل ينجح في إعادة ترتيب البيت الداخلي وتحويل التوافق السياسي إلى برنامج حكومي فعّال؟ وبين آمال الإصلاح وضغوط الواقع، يبدأ العراق فصلًا جديدا، عنوانه الأبرز: هل يستطيع هذا التوافق أن يصمد حين تبدأ الاختبارات الحقيقية؟