زيارة أجنبية لمسجد السطان حسن ذروة الفن الإسلامي في مصر
خلال سنتي 1873 و1874 زارت الروائية والصحفية والرحَّالة الإنجليزية أميليا ب. إدواردز (1831–1892) مصر ضمن رحلة جماعية، ثم وضعت كتابها "ألف ميل صعودًا في نهر النيل" أو "رحلة الألف ميل"، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1876 فأصبح أكثر الكتب مبيعًا في العالم، ثم صدرت طبعته الثانية عام 1888.
بعدها اشتهرت أميليا ب. إدواردز كعالمة مصريات رائدة، وخاصة بعد أن نجحت في تعلم الهيروغليفية بسرعة عجيبة، فلُقبت بـ"الأم الروحية لعلم المصريات"، حيث اقتصر هذا العلم على الرجال فقط منذ أن وضع أسسه الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عام 1822.
لقد غيرت رحلة إدواردز النيلية مسار حياتها، فوثقتها في كتابها الشهير "ألف ميل صعوداً في النيل" وأسست "صندوق استكشاف مصر" عام 1882 لحماية الآثار المصرية.
احتوى الكتاب الصادر في 530 صفحة على أكثر من سبعين رسمًا توضيحيًّا محفورًا، ورسومات نهائية منفذة على خشب بيرسون. كما احتوى على وصف الكثير من معالم وآثار مصر من القاهرة إلى الشلال وأبي سمبل، وقد أهملت الحديث عن الإسكندرية التي وصلت الرحلة إليها، قبل السفر إلى القاهرة، وقد يكون السبب أنهم لم يمكثوا في الإسكندرية وقتًا يجعلها تشاهدها بأريحية وتكتب عنها.
أُعجبت أميليا بمسجد السلطان حسن وعمارته في القاهرة، وكانت ترى أنه أحد تلك المباني التي تعود للعصور الوسطى والتي يُقال إنها بُنيت بأحجار غلاف الهرم الأكبر. وتقول عنه: "يُعدّ مسجد السلطان حسن، بلا منازع أجمل مساجد القاهرة، وربما أجمل مساجد العالم الإسلامي. بُني في تلك اللحظة الفارقة حين تطوّر الفن العربي في مصر، بعد أن تجاوز مجرد الاقتباس والتقليد، إلى أسلوب معماري أصيل من العناصر المتنوعة للمباني الرومانية والمسيحية المبكرة".
وتقارن بينه وبين أهم مساجد القاهرة في ذلك الوقت، وتقول: "أما مساجد القرون السابقة (مثل مسجد طولون، الذي يُمثّل أول خروج عن النموذج البيزنطي القديم) فكانت تتألف من فناء ذي أروقة تؤدي إلى قاعة ترتكز على أعمدة كثيرة. وبعد أكثر من قرن بقليل، شهد الطراز الوطني بداية انحسار طويل أدى في النهاية إلى ظهور ما يُعرف بالنهضة البيزنطية الجديدة، التي يُمثلها مسجد محمد علي. لكن مسجد السلطان حسن، الذي بُني قبل سبعة وتسعين عامًا من فتح القسطنطينية، يُمكن اعتباره بحقٍّ ذروة الفن الإسلامي في مصر بعد أن استنفد المواد اليونانية والرومانية في ممفيس، وقبل أن تتأثر أصالته الوليدة بتأثيرات من وراء مضيق البوسفور".
وهي لا ترجع عظمة هذا المسجد لضخامة أبعاده ولا إلى روعة مواده "فهو ليس بحجم الجامع الكبير في دمشق، ولا بثراء رخام آيا صوفيا في القسطنطينية؛ ولكنه في تصميمه وتناسبه وجماله السامي الذي يصعب وصفه، يتفوق على كل هذه المساجد، سواء أكانت أصلية أم مُعدّلة".
ولعل سبب إعجابها بمسجد السلطان حسن أنه كان مسجدًا شرقيًّا أو عربيًّا أو (وطنيًّا) بحتًا وتقول: "كل خط ومنحنى فيه، وكل بوصة من التفاصيل، هي على أفضل طراز من أفضل فترة للمدرسة العربية. وفوق كل ذلك، فقد تم تصميمه خصيصًا لغرضه الحالي، حيث كان المسجدان الشهيران في دمشق والقسطنطينية، كنيستين مسيحيتين، يدلان على التكيف.
وتقول عن المسجدين: "في آيا صوفيا، يمكن تتبع المساحة التي كانت تشغلها شخصية المخلص بوضوح في أعمال الفسيفساء في المحراب، المملوء بقطع ذهبية من تاريخ لاحق؛ بينما تم تزيين البوابات الرائعة للمسجد الكبير في دمشق، من بين رموز مسيحية أخرى، مع كأس القربان المقدس".
لذا ترى أن مسجد السلطان حسن، الذي بناه الناصر حسن في أوج وأيام ازدهار حكم المماليك، لا تشوبه شائبة، فقد صُمم ليكون مسجدًا، ولا يزال كذلك.
وهي تأسف بعد ذلك للوضعية التي آل إليها هذا المسجد الذي "سرعان ما سيصبح مجرد أطلال جميلة بعد هدم عدد من الشوارع الصغيرة مؤخرًا في هذا الحي".
ثم تقول في وصفها أو سردها عن مسجد السلطان حسن: يقع الطريق المؤدي إلى المسجد عبر مساحة مفتوحة مهجورة مليئة بالأنقاض، ولكنها مُخصصة لتُصبح ساحة عامة. مع وضع هذه الغاية المنشودة في الاعتبار، كان نحو ستة عمال يُحمّلون ببطء العديد من الجمال بالأنقاض، وهي الطريقة العربية لنقل القمامة. إذا ثابروا، واستمر وزير الأشغال العامة في دفع أجورهم في الوقت المحدد، فربما يتم تنظيف الأرض في غضون ثماني أو عشر سنوات.
أثناء صعودنا بصعوبة إلى أسفل الدرج الكبير، الذي كان يعج بالمتسكعين الذين يدخنون وينامون، لاحظنا شقًّا طويلا يتسع بسرعة على ما يبدو، يمتد تقريبًا من أعلى إلى أسفل الجدار الرئيسي للمبنى، بالقرب من المئذنة. بدا وكأنه تمزق قد يكون ناجمًا عن هزة زلزال، ولأننا ما زلنا جددًا على الشرق، تساءلنا لماذا لم تبدأ الحكومة العمل على إصلاحه. كنا لا نزال نعلم أنه لا يتم إصلاح أي شيء في القاهرة. هنا، كما هو الحال في القسطنطينية، تنشأ مبانٍ جديدة بسرعة، لكن المباني القديمة، مهما كانت عريقة، تُترك لتتداعى شيئًا فشيئًا، حتى لا يتبقى منها سوى كومة من الأنقاض.
صعدنا الدرج وعبرنا قاعة فسيحة، ثم صعدنا المزيد من الدرج وسرنا على طول ممر مظلم، حتى وصلنا إلى الفناء الكبير، ولكن قبل دخوله، كان علينا خلع أحذيتنا، وارتداء النعال التي أحضروها لهذا الغرض. أول ما يقع عليه النظر في هذه الساحة هو مفاجأة معمارية. إنها لا تشبه أي شيء رآه المرء من قبل، وجمالها يساوي حداثتها. تخيل ساحة رخامية ضخمة، مفتوحة على السماء ومحاطة بجدران شاهقة، مع وجود تجويف واسع مؤطر بقوس واحد على كل جانب. تبلغ مساحة الساحة أكثر من 100 قدم مربع، ويبلغ ارتفاع الجدران أكثر من 100 قدم. يشكل كل تجويف قاعة واسعة للراحة والصلاة، وجميعها مفروشة بالحصير؛ لكنّ القاعة الواقعة في الطرف الشرقي أوسع وأعمق بكثير من القاعات الثلاث الأخرى، ويبلغ طول القوس المهيب الذي يحيط بها، كمسرحٍ فخم، 69 قدمًا و5 بوصات. تبدو القاعة أكبر بكثير. يبلغ عمق هذه القاعة الرئيسية، التي ترتفع أرضيتها درجة واحدة عند طرفها العلوي، 90 قدمًا وارتفاعها 90 قدمًا. المنصة مغطاة بسجادات الصلاة، وتحتوي على المحراب المقدس ومنبر الواعظ. لاحظنا أن الذين يصعدون إلى هنا لا يأتون إلا للصلاة. وبعد الصلاة، ينصرفون أو يتجهون إلى إحدى الزوايا الأخرى للراحة. توجد نافورة ساحرة في الفناء، بسقف مقبب خفيف ورقيق المظهر كفقاعة كبيرة، حيث يتوضأ كل مصلٍّ عند دخوله. وبعد ذلك، يخلع نعليه على السجادة ويسير حافي القدمين على المنصة المغطاة بالسجاد.
كانت هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها مسلمين يصلّون، ولم يسعنا إلا أن ننبهر بتفانيهم العميق والصادق. كان بعضهم ساجدًا، وجباههم تلامس الأرض؛ وكان آخرون راكعين؛ وآخرون ينحنون في وضعيات الصلاة المحددة. كانوا منغمسين في الصلاة لدرجة أن وجودنا (غير المقدس) لم يزعجهم. لم نكن نعلم حينها أن المسلم التقيّ يكون متدينًا خارج المسجد كما هو داخله؛ أو أن من عاداته الصلاة عندما تحين الأوقات المحددة، بغض النظر عن مكانه أو مدى انشغاله. ومع ذلك، سرعان ما أصبحنا على دراية بهذه السمة الواضحة للحياة الإسلامية، حتى بدا من الطبيعي تمامًا أن ينزل سائق الجمال ويضع جبهته في التراب على جانب الطريق؛ أو أن يفرش التاجر سجادة صلاته على مصطبة متجره الصغير الضيقة في السوق العام؛ أو أن يسجد الملاح ووجهه نحو الشرق، مع غروب الشمس خلف تلال الصحراء الليبية.
بينما كنا نعجب بانحناء السقف والزخارف العربية المعقدة للمنبر، جاء حارس ومعه مفتاح كبير ودعانا لزيارة قبر المؤسس (السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون)، فتبعناه إلى قاعة مقببة ضخمة مساحتها مائة قدم مربعة، وفي وسطها قبر بسيط محاط بسياج، مع تابوت حديدي فارغ عند قدمه. علمنا لاحقًا أنه لمدة خمسمائة عام - أي منذ وفاة ودفن السلطان الحسن عام 1334 م - كان هذا التابوت يحتوي على نسخة رائعة من القرآن، يقال إنها كُتبت بخط يد السلطان الحسن نفسه؛ لكن الخديوي (تقصد الخديوي توفيق)، الذي يجمع المخطوطات العربية المختارة والقديمة، لم يرسل إلا قبل أيام قليلة أمرًا بإزالته.
لا شيء يمكن أن يكون أكثر جرأة أو أناقة من نسب هذه القاعة الجنائزية النبيلة، التي تغطي جدرانها زخارف بارزة منخفضة مرصعة بأقراص وقطع فسيفساء من الخزف الفيروزي اللون؛ بينما في الأعلى، ولتوجيهها من قبو السقف، تم تقريب الزوايا بواسطة مجموعات غائرة من أعمال خشبية رائعة على طراز الأرابيسك، مثل الصواعد المتدلية. لكن قطع الفسيفساء تتساقط بسرعة، ومعظم أماكنها فارغة؛ وتتدلى الأعمال الخشبية الجميلة في شظايا، ممزقة ومتشابكة، مثل رايات بالية من الزمن ستسقطها أول لمسة فرشاة.
عند عودتنا من القبر إلى الفناء، لاحظنا في كل مكان آثارًا لنفس التدهور. النافورة، التي كانت ذات يوم معجزة من الزخارف الإسلامية، تتجه بسرعة نحو الخراب. كان الرخام الغني لقاعدتها متصدعًا ومتغير اللون، وقبتها الجصية تتساقط قطعة قطعة، وميناها يتساقط، وزخارفها الخشبية الشبيهة بالدانتيل تتمزق بوصة تلو الأخرى.
بعد قليل، حط طائر صغير بني وذهبي بثقة جميلة على حافة الحوض، وبعد أن رش الماء وشرب ونظف ريشه مثل مؤمن حقيقي في وضوئه، طار إلى أعلى القبة وغنى بشكل لذيذ. كان كل شيء آخر ساكنًا تمامًا. قسمت مساحات كبيرة من الضوء والظل الفناء. بدت السماء في الأعلى كفتحة مربعة من اللون الأزرق الصلب المتوهج؛ بينما هنا وهناك، مستلقين أو يصلون أو مشغولين بهدوء، كان عدد من الشخصيات المعممة منتشرة بشكل خلاب على الأرضيات المفروشة.
في إحدى القاعات المفتوحة المحيطة. جلس خياطٌ متربعًا يصنع صدرية؛ بالقرب منه، ممددًا على وجهه بكامل طوله، تمدد صانعُ سلالٍ مع سلته نصف المنسوجة وحزمة من القصب بجانبه؛ وهنا، بالقرب من المدخل الرئيسي، كان يرقد رجلٌ أعمى وكلبه؛ السيد نائم، والكلب يحرس. كان، كما قلت، مسجدنا الأول، وأتذكر جيدًا الدهشة التي انتابتنا عندما رأينا ذلك الخياط يخيط أزراره، والنائمين مستلقين في الظل. لم نكن نعلم حينها أن المسجد الإسلامي هو مكان للراحة واللجوء بقدر ما هو مكان للصلاة؛ أو أن العربي المشرد يمكنه أن يلجأ إليه ليلًا أو نهارًا بحرية كما تبني الطيور أعشاشها في الكورنيش، أو كما يشارك كلب الرجل الأعمى الظل البارد مع سيده النائم.