سوريا وحلم المونديال: رحلة سبعة عقود من المحاولات
منذ أن دخل المنتخب السوري غمار تصفيات كأس العالم لأول مرة عام 1950، ظلّ حلم التأهل إلى النهائيات يراود ملايين السوريين جيلاً بعد جيل، في رحلة طويلة امتدت سبعة عقود، شهدت لحظات مشرقة ونكسات مؤلمة وفرصاً ضائعة، لكنها في جوهرها تعكس قصة شعب لم يفقد الأمل رغم كل الصعوبات.
كانت البداية عام 1950 قاسية، حين سافر المنتخب السوري إلى أنقرة لملاقاة تركيا في التصفيات الأوروبية، ليعود بخسارة ثقيلة بسبعة أهداف نظيفة. لم تكن تلك المباراة مجرد هزيمة رياضية، بل كانت درساً مبكراً في حجم الفجوة بين كرة القدم السورية ونظيرتها الأوروبية آنذاك.
غابت سوريا عن تصفيات مونديال سويسرا 1954، قبل أن تعود عام 1958 لمواجهة السودان في التصفيات المشتركة بين آسيا وإفريقيا. خسر السوريون ذهاباً في الخرطوم، وتعادلوا إياباً في دمشق بهدف لـ هاروت كولكيان، الذي يعد الهدف الأول للمنتخب السوري في تاريخ تصفيات كأس العالم.
غاب المنتخب السوري عن تصفيات مونديال تشيلي 1962، وفي عام 1966، اتخذ الاتحاد السوري قراراً تاريخياً بمقاطعة التصفيات تضامناً مع الدول الإفريقية التي احتجت على قرار الاتحاد الدولي المجحف بمنح القارات الثلاث (إفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا) مقعداً واحداً فقط.
لم يشارك المنتخب السوري كذلك في تصفيات كأس العالم 1970 المقامة في المكسيك، لكن تصفيات مونديال 1974 شهدت أفضل أداء سوري في ذلك العقد؛ حيث لعب المنتخب في العاصمة الإيرانية طهران ضمن مجموعة ضمت إيران وكوريا الشمالية والكويت، وحقق انتصارين على الكويت وانتصاراً ثميناً على إيران في مباراة الإياب، لكن الخسارة بثلاثية أمام كوريا الشمالية وضعته في المركز الثاني غير المؤهل، وكان اللاعب جوزيف شهرستان نجم تلك التصفيات برصيد أربعة أهداف.
لم تحمل تصفيات مونديال الأرجنتين 1978 الكثير من الأمل للسوريين، حيث انسحب العراق من المجموعة التي ضمت سوريا والسعودية وإيران، لكن المنتخب السوري فشل في استغلال الفرصة، فخسر ذهاباً أمام السعودية في جدة وفاز إياباً في دمشق، ثم خسر أمام إيران في دمشق قبل أن ينسحب من مباراة الإياب في طهران، ليغادر التصفيات من الدور الأول في مشهد باهت.
جاءت تصفيات مونديال إسبانيا 1982 لتؤكد التراجع السوري، حين خسر المنتخب جميع مباريات المجموعة الآسيوية المقامة في السعودية أمام البحرين والسعودية وقطر والعراق، ليتذيل الترتيب دون تحقيق أي انتصار في مشاركة مخيبة للآمال.
في تصفيات مونديال المكسيك 1986، عاش السوريون أقرب لحظة من حلم التأهل التاريخي، حيث تجاوز المنتخب مرحلتين متتاليتين، متفوقاً على الكويت واليمن والبحرين، ليصل إلى المرحلة الحاسمة أمام العراق. تعادل الفريقان سلباً في دمشق، لكن الخسارة بثلاثة أهداف نظيفة في بغداد (المباراة جرت في الطائف لظروف الحرب) أنهت الحلم السوري في أقرب نقطة له من التأهل.
استمرت الخيبات في تصفيات مونديال إيطاليا 1990، حين فاز المنتخب السوري على اليمن ذهاباً وإياباً، وقدم أداءً هجومياً جريئاً أمام السعودية في جدة رغم الخسارة بخمسة أهداف مقابل أربعة سجلها محمد جقلان ووليد الناصر وعبد اللطيف الحلو ونزار محروس، لكن التعادل السلبي في اللاذقية أمام السعودية أنهى آمال التأهل مجدداً.
وفي تصفيات مونديال أمريكا 1994، واجه المنتخب السوري مأساة فارق الأهداف؛ فعلى الرغم من النتائج المميزة في المجموعة، ومنها الفوز بثمانية أهداف على تايوان والتعادل مع إيران مرتين، احتل السوريون المركز الثاني خلف إيران بفارق الأهداف فقط، ليُحرموا من التأهل إلى المرحلة التالية بأقسى طريقة ممكنة.
تكرر السيناريو نفسه في تصفيات مونديال فرنسا 1998، حين حقق المنتخب السوري انتصارات عريضة على المالديف بستة أهداف في الذهاب والإياب، وتعادل مع إيران في طهران، لكن الخسارة المفاجئة أمام قرغيزستان وضعته في المركز الثاني خلف إيران مجدداً، ليغادر التصفيات من الدور الأول في تكرار مؤلم لسيناريو 1994.
شهدت تصفيات مونديال 2002 نتائج تاريخية للمنتخب السوري، حين سحق الفلبين بنتيجة 12-0 في حلب، ولاوس بنتيجة 11-0، في استعراض للقوة كان بطله اللاعب سيد بيازيد نجم تلك المرحلة برصيد 13 هدفاً في خمس مباريات، لكن الخسارة أمام عُمان في مسقط أنهت الحلم مجدداً.
في تصفيات مونديال ألمانيا 2006، خرج المنتخب السوري من الدور الأول بعد احتلاله المركز الثاني خلف البحرين، في مشاركة شهدت حادثة انقطاع الكهرباء الشهيرة عن الملعب البلدي في حمص خلال مباراة طاجيكستان، مما أثار جدلاً واسعاً رغم فوز السوريين في المباراة المعادة.
شهدت تصفيات مونديال جنوب إفريقيا 2010 تألقاً سورياً في المراحل الأولى، حيث سحق المنتخب أفغانستان وإندونيسيا بنتائج عريضة، قبل أن يصطدم بجدار المجموعة الصعبة في المرحلة الثالثة. احتاج السوريون في المباراة الأخيرة أمام الإمارات إلى الفوز بفارق ثلاثة أهداف للتأهل، وحققوا الفوز بثلاثة أهداف لهدف، لكن فارق الأهداف حرمهم من التأهل في سيناريو مؤلم تكرر للمرة الثالثة.
وفي واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ الكرة السورية، خرج المنتخب من تصفيات مونديال البرازيل 2014 بقرار إداري من الاتحاد الدولي (فيفا)، بعد أن فاز على طاجيكستان ذهاباً وإياباً؛ والسبب كان إشراك اللاعب جورج مراد الذي سبق له تمثيل منتخب السويد، في فشل إداري واضح من الاتحاد السوري لكرة القدم، فخسر السوريون فرصة حققوها ميدانياً بسبب خطأ بيروقراطي لا يُغتفر.
وفي تصفيات مونديال روسيا 2018، عاش السوريون أكبر لحظات الأمل في تاريخهم الكروي، حيث تأهل المنتخب إلى المرحلة الثالثة واحتل المركز الثالث في مجموعة قوية، ليواجه أستراليا في الملحق الآسيوي. تعادل الفريقان ذهاباً في ماليزيا، وفي مباراة الإياب في سيدني، تقدم عمر السومة للسوريين مبكراً، لكن الأستراليين عادلوا النتيجة ودفعوا المباراة للوقت الإضافي. طُرد اللاعب محمود المواس في بداية الشوط الإضافي الأول، واستغل الأستراليون النقص العددي ليسجلوا هدف التقدم. حاول السوريون تعويض النتيجة، لكن تسديدة عمر السومة الصاروخية ارتطمت بالقائم الأيسر معلنة انتهاء الحلم الأكبر في تاريخ الكرة السورية.
شهدت تصفيات مونديال قطر 2022 تراجعاً واضحاً في مستوى المنتخب السوري؛ فرغم التأهل إلى المرحلة الثالثة بصدارة مجموعته، قدم "النسور" أداءً هزيلاً في المجموعة الصعبة التي ضمت إيران وكوريا الجنوبية والإمارات والعراق ولبنان، ليخرج من التصفيات في قاع ترتيب المجموعة.
وفي تصفيات مونديال 2026، خرج المنتخب السوري من المرحلة الثانية بعد احتلاله المركز الثالث خلف اليابان وكوريا الشمالية، رغم الفوز الكبير على ميانمار بسباعية نظيفة، في خسارة مخيبة للآمال، خاصة بعد التطور الذي شهده المنتخب في بطولة كأس آسيا الأخيرة.
على مدار سبعة عقود، ظلّ حلم التأهل إلى كأس العالم هاجساً للكرة السورية. لحظات اقترب فيها "نسور قاسيون" من تحقيق الحلم، لتتلاشى في اللحظات الأخيرة بسبب فارق الأهداف، أو قرار إداري، أو كرة ارتطمت بالقائم. لكن رغم كل الإخفاقات، يبقى الأمل حياً، والرحلة مستمرة؛ فتاريخ الكرة يعلمنا أن المثابرة تؤتي ثمارها في النهاية، وأن الحلم الذي طال انتظاره قد يتحقق يوماً ما.