شبح الركود التضخمي يُخيم على العالم بسبب الحرب على إيران
طهران - دخل الاقتصاد العالمي نفقاً مظلماً من عدم اليقين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ولم تقتصر شظايا هذا الصراع على الميدان العسكري، بل امتدت لتضرب مفاصل الأسواق المالية العالمية، مخلفةً موجة من الاضطرابات الحادة وتراجعاً جماعياً في مؤشرات البورصات الدولية، يقابله صعود جنوني في تكاليف الطاقة والملاذات الآمنة.
صدمة الطاقة واضطراب الإمدادات
ومنذ الضربات الأولى، قفزت أسعار النفط بنسبة بلغت 40 بالمئة، حيث ارتفع سعر البرميل من 72 دولاراً عشية الصراع إلى أكثر من 100 دولار حالياً. هذا الانفجار السعري يغذيه إغلاق مضيق هرمز الذي يتدفق عبره نحو 20 مليون برميل يومياً. ومع فرض طهران قيوداً ملاحة رداً على الهجمات، بات تأمين تدفقات الطاقة العالمية تحدياً وجودياً، مما أربك حسابات الدول المستوردة.
وانعكست نذر الحرب سريعاً على شاشات التداول؛ ففي الفترة ما بين اندلاع الصراع ومنتصف مارس/آذار، سجلت الأسهم الأميركية تراجعات متباينة، حيث انخفض مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بنسبة 4.3 بالمئة، و"داو جونز" بـ3 بالمئة. ولم تكن أوروبا بمعزل عن هذه الهزة، إذ تكبد مؤشر "ستوكس 600" خسارة بلغت 5.6 بالمئة، وفقدت السندات العالمية ما يزيد عن 2.5 تريليون دولار من قيمتها خلال الشهر الجاري وحده، وهي الخسارة الأقسى منذ ثلاث سنوات.
الركود التضخمي: السيناريو الأسوأ
يحذر الخبير الاقتصادي سامي أمين من انزلاق الاقتصاد العالمي نحو "ركود تضخمي"، وهو مزيج فتاك من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار والبطالة. ويوضح أمين في حديثه لـ"الأناضول" أن الأسواق تمر بمرحلتين: مرحلة النفور من المخاطر، حيث يهرب المستثمرون من قطاعات النقل والاستهلاك نحو الذهب والأصول الدفاعية. وإعادة التسعير الهيكلي: حيث تستفيد قطاعات الدفاع والأمن السيبراني، بينما تترنح قطاعات الطيران والشحن والأسواق الناشئة المثقلة بالديون.
الحرب الموازية: العقوبات وسلاسل الإمداد
إلى جانب القصف المتبادل، تدور رحى "حرب اقتصادية" لا تقل ضراوة، تشمل تجميد الأصول، وحظر التكنولوجيا، وفرض عقوبات ثانوية على شركاء إيران. وزادت حدة هذه الضغوط بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بفرض تعريفات جمركية تصل إلى 25 بالمئة على الدول التي تتاجر مع طهران. هذه الإجراءات، إلى جانب الحرب السيبرانية والتشويش الملاحي، رفعت تكاليف التأمين والامتثال لشركات الشحن والبنوك إلى مستويات غير مسبوقة.
ويرى أمين أن هذه الأزمة ستدفع دول المنطقة نحو تحول جذري في نماذجها الاقتصادية؛ فإيران تتجه قسراً نحو بدائل الاستيراد والتسويات بالعملات المحلية، بينما تسارع دول الخليج لتعزيز أمنها الغذائي والمائي وتطوير سلاسل إمداد بديلة بعيداً عن نقاط الصراع. هذا التحول من "الاقتصاد المنفتح" إلى "الاقتصاد المؤمن" قد يقلل الهشاشة أمام الصدمات الخارجية، لكنه يحمل تكاليف تشغيلية باهظة.
ويبقى مضيق هرمز وممرات الملاحة الحيوية "ترمومتر" الاستقرار العالمي. ومع تحذير وكالة الطاقة الدولية من تضرر أكثر من 40 منشأة طاقة في المنطقة، يظل التساؤل قائماً: هل يمتلك النظام المالي العالمي القدرة على امتصاص صدمة حرب طويلة الأمد، أم أننا بصدد إعادة تشكيل كاملة للخريطة الاقتصادية الدولية؟