شريان العالم الطاقي تحت النار
لندن - منذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط، تحول مضيق هرمز ومنطقة الخليج العربي من أهم ممر تجاري للطاقة في العالم إلى "منطقة عمليات عسكرية" محفوفة بالمخاطر، ففي أعقاب اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نفذت طهران تهديداتها باستهداف السفن المارة عبر المضيق الذي يتدفق عبره خُمس إمدادات النفط والغاز المسال عالمياً.
وخلال شهر واحد فقط، شهدت المنطقة سلسلة هجمات عنيفة ومتلاحقة طالت ناقلات نفط، وسفن حاويات، وبنى تحتية حيوية، مما هدد بشلل تام في حركة التجارة الدولية.
وبدأت موجة الهجمات في الأول من مارس/آذار، حيث سجلت ناقلة النفط 'إم.كيه.دي فيوم' أول خسارة بشرية بمقتل أحد أفراد طاقمها قبالة سواحل عمان. وتوالت الضربات لتشمل ناقلات الوقود مثل 'هرقل ستار' في رأس الخيمة، و'سكايلايت' في قلب مضيق هرمز.
وفي الثاني والثالث من الشهر ذاته، امتدت الهجمات لتطال الموانئ الإقليمية، حيث أصيبت الناقلة الأميركية 'ستينا إمبراتيف' في البحرين، وتعرضت سفن أخرى لأضرار قرب ميناء الفجيرة الإماراتي.
ولم تقتصر الهجمات على الصواريخ التقليدية، بل شهد الخامس من مارس/اذار تطوراً نوعياً باستخدام زوارق إيرانية مسيرة (يتم التحكم فيها عن بعد) ومحملة بالمتفجرات لاستهداف الناقلة 'سونانجول ناميبي' قرب ميناء خور الزبير العراقي، مما عكس رغبة في تنويع أدوات الضغط العسكري والتقني.
جغرافيا المخاطر
ومن عُمان إلى قطر والعراق اتسعت رقعة الاستهداف لتشمل كافة مياه الخليج، ففي منتصف مارس/اذار (11 و12 مارس)، شهدت المنطقة يوماً دامياً طال سفناً تابعة لتايلاند واليابان وليبيريا وجزر مارشال، مما دفع الموانئ النفطية العراقية لتعليق عملياتها بالكامل بعد مقتل فرد من طاقم إحدى الناقلات.
ولم تسلم قطر، أكبر مصدر للغاز، من شرارة الحرب، حيث تعرضت محطة 'رأس لفان' أكبر محطة غاز في العالم، لغارات إيرانية في 19 مارس/اذار تسببت في أضرار جسيمة للبنية التحتية وسفن الشحن الراسية هناك. واختُتم الشهر بهجوم عنيف على الناقلة الكويتية المحملة بالخام (السالمي) قبالة سواحل دبي، في تأكيد إيراني صريح عبر وكالة 'تسنيم' باستهداف أي سفن ترتبط بمصالح الخصوم.
وترسم تداعيات الأزمة على الأمن البحري قائمة الهجمات خلال شهر مارس صورة قاتمة للأمن البحري العالمي، حيث أصبحت الهجمات بالمقذوفات والطائرات المسيرة والزوارق الانتحارية خطراً داهماً يواجه أطقم السفن التي ترفع أعلاماً دولية متنوعة.
ورغم جهود فرق الإنقاذ في إخماد الحرائق ومنع التسربات النفطية الكارثية، إلا أن تكرار الهجمات بمعدل شبه يومي أدى إلى ارتفاع جنوني في تكاليف التأمين والمخاطر، ودفع شركات الشحن الكبرى لإعادة النظر في مساراتها، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة إمدادات غير مسبوقة قد تتجاوز في خطورتها أي أزمة طاقة سابقة.