شفرة بيولوجية تُجبر الأسنان على إصلاح نفسها في متناول الأطباء
لندن/سيول – في وقت تتسارع فيه أبحاث طب الأسنان التجديدي، عاد اسم عقار Tideglusib "تيدجلوسيب" إلى الواجهة بوصفه أحد المركبات الواعدة لتحفيز تجدد أنسجة الأسنان، وسط تساؤلات حول مدى قرب تحوله إلى علاج فعلي يغني عن الحشوات التقليدية أو إجراءات ترميم العاج.
ويستند الاهتمام بالعقار إلى آلية عمله البيولوجية؛ إذ يُعرف تيدجلوسيب كمثبط لإنزيم GSK-3، ما يؤدي إلى تنشيط مسار خلوي يُعرف باسم Wnt/β-catenin، وهو مسار مرتبط بتنظيم تمايز الخلايا الجذعية. وفي سياق الأسنان، أظهرت تجارب مخبرية على خلايا لب الأسنان البشرية أن تنشيط هذا المسار يعزز تحول الخلايا الجذعية اللبّية إلى خلايا قادرة على إنتاج نسيج يشبه العاج، وهو النسيج الصلب الذي يشكل البنية الداخلية للسن.
ووفق دراسات منشورة في مجلات علمية محكّمة خلال السنوات الأخيرة، أدى تعريض الخلايا الجذعية السنية لـ تيدجلوسيب إلى زيادة واضحة في مؤشرات التمايز العاجي ونشاط التمعدن، من دون تأثيرات سلبية كبيرة على بقاء الخلايا في المختبر.
كما جرى اختبار نظم توصيل مبتكرة، مثل هياكل نانوية وألياف بوليمرية دقيقة مشبعة بالعقار، أظهرت قدرة على تعزيز تكاثر الخلايا وتحفيز تكوين نسيج معدني جديد في بيئات مخبرية ثلاثية الأبعاد.
وفي نماذج حيوانية، خصوصاً في دراسات أُجريت على الفئران، أظهرت تطبيقات موضعية منخفضة الجرعة من تيدجلوسيب على لب الأسنان المكشوف تكوّن ما يُعرف بـ"العاج التعويضي" خلال أسابيع قليلة، مع بقاء اللب حيوياً.
وأفاد باحثون بأن النسيج المتكوّن شكّل حاجزاً يغطي المنطقة المتضررة، ما يشير إلى استجابة إصلاحية نشطة.
لكن النتائج لم تكن متطابقة في جميع النماذج الحيوانية. ففي دراسة أخرى أُجريت على الكلاب، لم يُظهر العلاج تفوقاً واضحاً على المواد التقليدية المستخدمة في تغطية اللب، كما لوحظت استجابات التهابية أكثر وضوحاً في بعض الحالات.
ويرى باحثون أن اختلاف النتائج قد يرتبط بنوع الحيوان، وطبيعة الإصابة، وتركيز العقار، وطريقة توصيله.
وعلى الرغم من الزخم البحثي، لا توجد حتى مطلع عام 2026 أي تجارب سريرية بشرية منشورة تختبر تيدجلوسيب كعلاج لتجديد الأسنان في عيادات طب الأسنان. ويشير خبراء إلى أن الانتقال من الدراسات المخبرية والحيوانية إلى التجارب البشرية يتطلب مراحل تنظيمية صارمة، تشمل تقييم السلامة والفعالية على نطاق واسع قبل الحصول على موافقات الجهات الصحية.
مراحل تنظيمية صارمة
وكان تيدجلوسيب قد خضع سابقاً لتجارب سريرية في مجالات أخرى، منها أمراض عصبية، بجرعات أعلى من تلك المقترحة في تطبيقات الأسنان، ما يوفر بعض البيانات الأولية حول سلامته العامة.
غير أن استخدامه داخل بيئة لب السن، وهي بيئة مغلقة وحساسة، يطرح اعتبارات مختلفة تتعلق بمدى السيطرة على الجرعة والاستجابة الالتهابية.
ويركز الباحثون حالياً على تطوير أنظمة توصيل دقيقة، مثل الإسفنجات الكولاجينية القابلة للتحلل والهياكل نانوية، بهدف إيصال كميات محددة من العقار مباشرة إلى موضع الإصابة داخل السن، بما يقلل من التأثيرات الجانبية المحتملة ويعزز الاستجابة الموضعية.
ويقول مختصون في طب الأسنان التجديدي إن النتائج حتى الآن تشير إلى إمكانية استخدام تيدجلوسيب لتحفيز تكوين عاج تعويضي في حالات التسوس العميق أو انكشاف اللب، لكن الحديث عن "إعادة نمو سن كامل" لا يستند إلى بيانات علمية متاحة حالياً. فالدراسات تركز على تجديد العاج، وليس المينا أو إعادة تكوين سن كامل بجذوره وبنيته المتكاملة.
وبينما يروَّج أحياناً في وسائل التواصل الاجتماعي لفكرة "إنهاء عصر الحشوات وزراعة الأسنان"، يؤكد الباحثون أن الطريق لا يزال طويلاً قبل اعتماد أي علاج من هذا النوع سريرياً. فالتجارب البشرية الواسعة، وتقييم المتانة طويلة الأمد للنسيج المتكوّن، ومقارنته بالمواد التقليدية، كلها خطوات لم تُستكمل بعد.
وفي المحصلة، يمثل تيدجلوسيب اتجاهاً واعداً في أبحاث تجديد العاج وتحفيز الخلايا الجذعية السنية، لكنه حتى الآن يظل في إطار البحث العلمي قبل السريري، مع حاجة إلى دراسات بشرية منهجية قبل اعتباره بديلاً عملياً للحلول المعتمدة حالياً في عيادات الأسنان.