كيف شيّدت طهران 'ثكنتها' الرقمية خلف ساتر دخان الحرب؟
طهران - في خضمّ المواجهة المباشرة التي وضعت إيران في صدام مفتوح مع الولايات المتحدة مطلع عام 2026، لم تكن الجبهات تشتعل في البر والبحر والجو فحسب؛ بل كانت هناك حرب صامتة تُشنّ في الفضاء السيبراني، أعادت من خلالها السلطات الإيرانية صياغة مفهوم الإنترنت من جذوره، في واحدة من أعقد تجارب السيطرة الرقمية في التاريخ الحديث.
ظلام رقمي دامس
مع دويّ الانفجارات الأولى، دخلت البلاد في حالة "تعتيم رقمي" شبه كامل. لم يكن الأمر مجرد اضطراب عابر، بل انهياراً هيكلياً لحركة البيانات الدولية بنسبة قُدّرت بـ 98 بالمئة، ما عزل الداخل الإيراني عن العالم لأسابيع تجاوزت في بعض التقديرات حاجز الأربعين يوماً.
غير أن هذا الانقطاع لم يكن مجرد إجراء دفاعي ضد الهجمات الخارجية؛ إذ كشفت التطورات عن استراتيجية "كبح مزدوج" استهدفت الداخل أيضا، فحتى "شبكة المعلومات الوطنية" –التي طالما رُوّج لها كبديل محلي آمن– خضعت لعمليات جراحية قاسية، حيث قُلصت وظائف التواصل داخلها إلى الحدود الدنيا، لقطع الطريق أمام أي تنسيق ميداني خارج الأطر الرسمية.
تحول الإنترنت من وسيلة اتصال إلى "مساحة معطّلة"، وهو ما ألقى بظلاله القاتمة على تفاصيل الحياة اليومية. في القطاع الصحي ، انهارت المنظومات الرقمية لتعود الوصفات الطبية الورقية إلى الصدارة، ونشأت سوق سوداء لتأمين الاحتياجات الدوائية الأساسية.
اقتصاديا، دخل القطاع الخاص نفق الشلل التام، وتبخرت أنشطة التجارة الإلكترونية، وسط نزيف مالي قُدّر بعشرات ملايين الدولارات يومياً. واجتماعيا، خيّم القلق والارتباك على الشارع مع تصدع واحدة من أهم ركائز العيش المعاصر.
عصر "الوصول الانتقائي" و"القوائم البيضاء"
التحول الجذري لم يكمن في الانقطاع، بل في "هندسة العودة". فمع استعادة الشبكة تدريجيا، لم يعد الإنترنت كما كان؛ بل برز نموذج "الوصول الطبقي". مُنح الاتصال الدولي بـ "القطّارة" لمؤسسات حكومية وشركات كبرى وجامعات مختارة، بينما حُصر عامة المواطنين في شرنقة الإنترنت المحلي.
هنا، انتقلت السلطات من منطق "الحجب" (منع مواقع محددة) إلى منطق "الإذن المسبق" عبر نظام "القائمة البيضاء"، الذي لا يسمح بالوصول إلا لمواقع وخدمات مُعرفة سلفا.
وبحسب تقارير داخلية، منها ما نشرته صحيفة "شرق" الايرانية، فإن ما وُصف بـ "عودة الإنترنت" كان مجرد استعادة تقنية لمراكز البيانات، دون أن يلمس المستخدم فعليا عودة الخدمة بمعناها الحقيقي، لتبقى الشبكة في حالة "هشاشة سيادية" مرتبطة بالقرار السياسي لا بالجاهزية الفنية.
في كواليس هذه القبضة الحديدية، استُخدمت ترسانة معقدة من الأدوات؛ شملت التشويش المكثف على الإنترنت الفضائي (ستارلينك) وملاحقة مقتني أجهزته، وصولاً إلى التحكم الفيزيائي عبر تعطيل أبراج الاتصالات وإلغاء شرائح الهاتف في بؤر معينة.
تقنيا، فُرض حجب ذكي وتلاعب بحركة البيانات (Traffic Manipulation) لإعطاء إيحاء زائف بعودة الخدمة، بينما كانت القيود في ذروتها.
"الإنترنت الطبقي": اسبقية السيادة على الحقوق
وعلى الرغم من التراجع الطفيف عن بعض الإجراءات المتشددة مؤخرا، إلا أن ملامح "الإنترنت الطبقي" استقرت كواقع جديد؛ حيث بات الاتصال بالشبكة العالمية "امتيازاً" يُمنح ويُسحب، وليس حقاً عاماً.
يرى الخبراء أن التجربة الإيرانية لعام 2026 تتجاوز كونها إجراء طارئا تمليه ظروف الحرب، بل هي "مانيفستو" جديد لتحويل الفضاء الرقمي إلى "ثكنة رقمية".
هذا النموذج الذي يُخضع البيانات للسيادة المطلقة، قد يمثل شرارة البدء لتحولات مماثلة في مناطق أخرى من العالم، حيث لم يعد الإنترنت فضاء مفتوحا بل سلاحا سياديا يُعاد تشكيله وفق مقتضيات "الأمن القومي" وحسابات المعركة.