صانعة محتوى عراقية تثير حساسية زواج الليبيين من الأجنبيات

داليا فرهود تثير غضبا يرتبط بطبيعة مجتمع يعطي أهمية كبيرة لفكرة السمعة الجماعية وصورته أمام الآخرين.

طرابلس – أثارت تصريحات صانعة المحتوى العراقية داليا فرهود دعت فيها الأجنبيات إلى عدم الزواج من شاب ليبي، بحجة احتمال تعرضهن للتمييز، موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي بين الليبيين الذين اعتبروا هذه الدعوة تعميماً مسيئاً يمس صورة المجتمع وثقافته.
وسرعان ما تحولت القضية إلى نقاش واسع حول حساسية الليبيين تجاه ما يُنظر إليه على أنه إساءة لسمعتهم الاجتماعية أو تشويه لواقعهم الأسري.

ودعت صانعة المحتوى العراقية، المرأة الأجنبية إلى عدم الزواج من الرجل الليبي، وقالت في تدوينة "سأصفع كل امرأة أجنبية تريد الزواج من رجل ليبي، اتركوه لابنة بلده، لأنه إن لم يشعركِ بالغربة فسيشعرك بها أهله، وإن لم يضايقك هو فقد يضايقك محيطه، وستبقين طوال عمرك تعتبرين غريبة بينهم، حتى عندما تنجبين منه أطفالاً".

وكالعادة في قضايا مشابهة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة جدل حاد. فقد رد كثير من الناشطين الليبيين على التصريحات بالتأكيد أن الزواج المختلط موجود منذ سنوات وأن كثيراً من الزيجات بين ليبيين وأجنبيات نجحت واستقرت. كما اعتبر البعض أن تعميم تجربة فردية على مجتمع كامل يُعد ظلماً وتشويهاً للواقع.

ويرتبط الغضب الذي أثارته هذه التصريحات بطبيعة المجتمع الليبي الذي يعطي أهمية كبيرة لفكرة السمعة الجماعية وصورة المجتمع أمام الآخرين. ففي المجتمعات المحافظة، لا يُنظر إلى مثل هذه الدعوات بوصفها رأياً فردياً فحسب، بل كحكم عام على مجتمع بأكمله. لذلك شعر كثير من الليبيين أن التصريحات لا تنتقد تجربة شخصية محددة، بل تُعمّم حكماً سلبياً على الرجال الليبيين وعلى طريقة تعامل المجتمع مع النساء الأجنبيات.

وفي هذا السياق، قالت الناشطة ندى مهران، إن هذا الموقف "مستفزّ لليبيين وحتى للجالية الأجنبية المقيمة داخل البلاد"، معتبرة أن "الرجل الليبي ترفع له القبعة وهو شرف لأيّ امرأة أجنبية تريد الزواج منه".

أمّا الناشطة مديحة تاجوري، فقد دعت وزير الداخلية عماد الطرابلسي إلى فتح تحقيق ضد المؤثرة داليا فرهود، لما تضمّنته تصريحاتها من "إساءة إلى الشعب الليبي وتشكيك في قيمه وثقافته"، مضيفة أن ليبيا "عرفت عبر تاريخها باحترام الضيوف والتعايش مع مختلف الجنسيات".

في المقابل، دعا آخرون إلى التعامل مع الموضوع بهدوء، معتبرين أن النقاش قد يكون فرصة لفتح حوار حول التحديات الاجتماعية التي قد تواجهها بعض الزيجات المختلطة، من دون تحويله إلى صراع أو تبادل اتهامات، خصوصا أن هناك مشاكل أكثر أهمية في المجتمع.

وسخر آخر من الضجة التي أثيرت حول تصريحات فرهود بشأن تجربة شخصية في حين أن الشرق الأوسط يشهد حروبا طاحنة.

وعلق آخر على القضية معتبرا أنه جدل لا طائل منه وكان الأجدى بالذين استفزهم التعليق، أن يغضبوا لسوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

واستغرب ناشطون حجم الهجوم الذي تعرضت له صانعة المحتوى داليا فرهود، معتبرين أنّ كثيرين أساؤوا فهمها واعتبروا أن فيه إهانة للشاب الليبي، في حين أن تصريحاتها تعكس الواقع وتجارب حقيقية، حيث أن هناك دائما تقليل من أبناء النساء الأجانب المتزوجات من ليبيين، وقال ناشط:

وتُعد قضايا الزواج والعائلة من أكثر الموضوعات حساسية في ليبيا، إذ ترتبط بالهوية الاجتماعية وبالكرامة العائلية. ولهذا فإن أي حديث يوحي بوجود تمييز منهجي ضد الزوجات الأجنبيات قد يُفهم على أنه تشكيك في القيم الاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع.

في الواقع، ليست الزيجات بين الليبيين وأجنبيات ظاهرة جديدة، فقد شهدت ليبيا عبر العقود الماضية حالات عديدة من هذا النوع، خاصة مع الطالبات أو العاملات الأجنبيات. إلا أن هذه الزيجات قد تواجه أحياناً تحديات مرتبطة بالاختلاف الثقافي أو بالعادات الاجتماعية، وهو أمر يحدث في كثير من المجتمعات حول العالم.

غير أن الليبيين يرفضون غالباً تصوير هذه التحديات على أنها قاعدة عامة أو دليل على وجود تمييز ممنهج، معتبرين أن مثل هذه الأحكام تتجاهل التنوع داخل المجتمع نفسه.

وتكشف هذه الواقعة عن حساسية متزايدة لدى المجتمعات العربية تجاه ما يُنشر عنها على الإنترنت، خصوصاً عندما يأتي من مؤثرين يمتلكون جمهوراً واسعاً. فالكلمة التي تُقال في مقطع قصير قد تتحول سريعاً إلى قضية رأي عام، وتُفسَّر أحياناً على أنها إساءة متعمدة.

وفي النهاية، يعكس الجدل الدائر حول هذه التصريحات صراعاً بين حرية التعبير على منصات التواصل من جهة، وحرص المجتمعات على حماية صورتها وسمعتها من جهة أخرى. وبين هذين الحدّين يبقى التحدي الحقيقي هو التمييز بين النقد الموضوعي والتعميم الذي قد يثير حساسيات ثقافية واجتماعية عميقة.

وداليا فرهود هي صانعة محتوى عراقية نشأت في ليبيا، اشتهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مجال الجمال والموضة، وأصبحت معروفة إعلاميا بعد الجدل الذي أثير حول توقيفها في طرابلس عام 2023، بتهمة نشرها محتوى لا يتناسب مع المجتمع الليبي.