ضوء مرتعش في نهاية النفق
تركت ماء المطر البارد يهطل على جرحي النازف.. تولتني رعشة، وجزع شدَّ عروق رقبتي مع انضغاط أضراسي ببعضها، لكنني تحاملت على روحي، وهي لا تزال تتكئ على روحها وتتشبث بها، حد الالتباس والتعاشق، وأنا أتلمس بيدي، الدرابزين الحديدي الساقط مع درجات السلم لأول جوف النفق..
اليومُ صباحًا، والشَّمْسُ تخرجُ من مكامِنها البَعيدةِ، كُنتُ أتهيأُ كي أجيئكِ بطموحِ العَاشقين الَّذينَ يُزاوجون بينَ أحلامهم ورفيف أجنحة وجودهم على أرض واقع صلب يحلمون أن يقتحموا غشاوته وجلافته بوهج شمس حقائقهم المشروعة المؤجلة..
كل الأنفاق التي مررت بها على الكورنيش، كان يغطي جوفها المبلط ارتفاعات من مياه الأمطار التي تمادت في الهطول، ولم تلتقط أنفاسها سوى لحظات، وأغرقت نهري طريق الكورنيش، وسدت المنافذ إليه، لتلتمع مساحاتها الهائلة المتجمعة، عاكسة الإضاءة الخافتة لكشافات الطريق التي أعلنت حضورًا باكرًا في ليل هبط سريعًا مغلفًا بالبرودة والصقيع اللذين خلفهما المطر والرياح، فخلا الطريق من أثر للعابرين.
اليومُ.. كسابقيه.. كنتُ أتهيأُ حاملًا لكِ مفتاحًا سحريًا، وناقوسًا فضيًّا تصلصل دقاته كي تقيم قلبكِ وروحكِ من سباتهما العميق، كي ترين هذه الشّمس المنبعثة من الأعماق أملًا تؤكد الأيام برغم مرورها المرير، على أحقيته برجم كل ما فات من يأس وانغمار في مياه حياة كانت بحيرة آسنة غطاها الملح، قبل أن يكتب لنا اللقاء.
هرعت أتنقل بين فتحات الأنفاق.. تتلافى قدماي بعض تجمعات المياه، وتسقط في أخرى، وأنا أتخيَّر نفقًا جافًّا لم يتسرب إليه ماء المطر، فيما هاتفي الجوَّال يتنقل بين يدي المرتعشة وجيبي في محاولات للاتصال بها، حتى لا تلج - حين وصولها من الجانب الآخر المتاخم لسور البحر - نفقًا قد يمنعها من الوصول إليّ سالمةً، أو قد لا أستطيع أن أجتازه إليها، كي أقودها - وربما أحملها - عائدًا بها إلى حيث بدأت أترقبها وأنتظرها لأؤمن لها مكانًا جيدًا للقاء..
اليومُ.. كنتُ أتهيأُ لكِ، كما لم أتهيأ من قبل، كي أكشط من فوق سطحها طعم المرارة والملح، كي تلاقينا بالغد المأمول عذوبة مائها حينما تتحرك فيها تيارات متجددة لنا بالحياة؛ كي يتغيّر طعم العالم، ويبرأ الجرح...
كان صوتها - الحاضر دومًا في أذني - بعيدًا، لا أستطيع تجميع ذراته التي ربما أسرها الصقيع، وكان الجرح مازال ينزف في مسارب ذاتي.. يضغط على أوتار في داخلي، ولم يتجمد نزفه بالصقيع ولا بالمطر المنهمر، بينما ظل شعوري بوهج حارق يلهب بدني يدفعني دفعًا نحو المضي - متجاهلًا كل شيء - في خوض تجمعات المياه.
تلاشى شعوري بالألم حين استجاب هاتفها لرنين هاتفي، ووصلتني من خلال نقرات المطر على زجاج حافلة - كانت تستقلها - كلمات متناثرة.. تتباعد.. تختلط بصدى ووشيش وصمت متقطع، ولهفة تجتاز مساحات الصدر.. تعربد فيها؛ فتشيع في البدن حركة للأمام والخلف، ولليمين والشمال، وانكماش على شعور طاغ تكتمل به لذة التأرجح بين الوصول والعودة إلى نقطة الثبات.. حتى إذا انقطع الهاتف عن بث تردداته، عاد يجرني معه في دهاليز حيرة جديدة يعلو فيها صوت الألم نباحًا لا يتوقف، وتتجسد نقاط من دم باهت، لم تكن تراها عيناي المغبشتان.. يغيب الصوت تمامًا، بعد أن كان يعربد صداه في مساحات الصمت التي تتلاعب بها رياح تسبق هطول المطر..
اليومُ.. كنتُ أتهيأُ لكِ، كما لا تتهيئين لي، وتتركيني على قارعة الانتظار المرير دوما، لتنسرب من العمر ساعاتٌ مشتهاة.. دقائقها ذهبية، وثوانيها فصوص الماس التي ترصِّع دقات القلب حينما تدب فيه حياة حقيقية لنا معًا، تشهد على عمر حقيقي يحسب ببقائنا فيه متجاورين على طاولة النشوة والدهشة وغيبوبة وجودنا بانفصالنا عن العالم..
قبل أن أدرك نفقًا أخيرا، قررت التخلي بعده عن فكرة اللحاق بها، بوغت هاتفي برنات تغتال الصمت.. تحرك الكامن مرة أخرى.. تنشط خلايا القلب؛ فيتوارى الإحساس بالجرح الكامن، ويختفي أثر الدماء.. تتملكني غبطة تزيح تعب الركض.. يصلني الصوت سلسًا رائقًا، يتضمخ عطرًا شبيهًا برائحة اختلاط الرياحين بالمطر، حين تعلن اقتراب حلولها من مكان النفق الذي أنا على أعتابه..
أخوض في فضاء النفق - الذي لم يكن جافًا تمامًا – وحدي.. ترن في أذني كلماتها الهامسة الواعدة.. يتحرر شقي الأيسر مما ألمَّ به.. أتلمس ضوءًا يبدأ في الارتعاش ثم يسطع تدريجيًا.. يزداد توغله نحوي.. يدفعني شغفي إلى الوصول إلى الطرف الآخر قبل أن تصل إليه أقدامها.. تصاحبني روحها القادرة على تحويل مسارات الأشياء في نفسي..
أسرع أكثر.. يزداد انتشار الضوء المنبعث نحوي.. تتجسد أمامي.. تتوقف للحظة دون أي تعبيرات على وجهها.. لا أستطيع أن أثبت عيني في عينها.. يعود الضوء للارتعاش.. تسبقها خطواتها ماضية في عكس اتجاهي، وعيناها ملتفتتان نحوي، تحاولان التشبث بنظرة هاربة، كالمنوَّمة، لكنها تغرق فجأة في ظلام جديد للنفق، وكأنما صار بيننا خط فاصل بين ظلمتها وضوئي..
اليومُ.. هئتُ لكِ.. لتتركينني دائمًا على قارعة القلب والروح وحدي، في انتظار من لا يريد أن يجيء، وإنْ تهيأت له ـ دائمًا ـ وحده..
أكمل طريقي صاعدًا درجات سلم مماثلة، يناوشني الألم.. ثم خارجًا من باب النفق نحو باب البحر المفتوح الملاصق؛ ليحتويني ظلٌ رحيمٌ لشيخي – الذي غاب عني منذ فترة - وتغتسل روحي في غمار هبات الموج المختلط بالمطر..