طوق النجاة الباكستاني: كيف أعادت حرب الأربعين يوماً صياغة التفاوض الإيراني الأميركي؟

المفاوضات القادمة في إسلام آباد ستجري تحت "ظلال المدافع" وصدى الضربات؛ وهي لن تكون حول "المبادئ"، بل حول "إدارة المكاسب" و"ترميم الخسائر".

التقطت كل من إيران والولايات المتحدة الاقتراح الباكستاني بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين كطوق نجاة، قبل لحظات من الاندفاع نحو هاوية التصعيد المفتوح.

هذا الاقتراح الذي جاء من إسلام آباد، الوسيط في المفاوضات غير المباشرة، حفظ ماء وجه الطرفين ورفع عنهما الحرج من تقديم تنازلات علنية قد تضعف موقفهما السياسي والتفاوضي مستقبلاً. وبينما أعلن الرئيس دونالد ترامب موافقة واشنطن على الهدنة بناءً على المقترح الباكستاني، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبول طهران، موضحاً أن إيران ستسمح بـ "مرور آمن" في مضيق هرمز خلال هذين الأسبوعين "بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية"؛ وهي إشارة توضح أن طهران، حتى وهي توافق على الهدنة، تمارس سيادتها على المضيق وتفرض واقعاً ميدانياً جديداً.

واللافت أن وسائل إعلام إيرانية تعمدت التأكيد على أن الاقتراح يحظى بموافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، كإشارة إلى وجود اتفاق وحصانة من كافة المستويات السياسية والدينية، بالتنسيق مع مؤسسات صنع القرار التي ما زالت تعمل بفاعلية رغم الضربات والاغتيالات.

يتضمن الاقتراح الباكستاني، الذي وافقت عليه إسرائيل وجاء قبل ساعات من الموعد النهائي الذي حدده ترامب لتوسيع الضربات، عشر نقاط سيتم التفاوض عليها خلال الأسبوعين القادمين في إسلام آباد بين مفاوضين أميركيين وإيرانيين.

وقد أكد ترامب أنه تم الاتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف السابقة تقريباً، مشيراً إلى قطع شوط كبير نحو اتفاق نهائي لسلام طويل الأمد. إنها انفراجة قد تكون مؤقتة، لكنها بالضرورة فاصلة في الأولويات وحاسمة في موازين القوى؛ فما قبلها سيكون مغايراً تماماً لما بعدها، خاصة وأن مياهاً كثيرة جرت تحت جسور القتال الذي اقترب من يومه الأربعين، أفرزت واقعاً استراتيجياً جديداً وأسقطت ثوابت قديمة. لذا، فإن المشهد داخل قاعة التفاوض سيكون مختلفاً، حيث اكتسب وفقد كل طرف أوراقاً استراتيجية مهمة تحت وطأة النار.

بالنسبة لإيران، فقد حققت مكاسب تمثلت في "كسر هيبة الردع" واستراتيجية الاستنزاف، وأثبتت قدرتها على الصمود العسكري لأكثر من أربعين يوماً أمام قوة عظمى، ملحقة أضراراً مادية بليغة بأصول أميركية حساسة كمنظومات "ثاد" وطائرات الدرون المتطورة.

كما نجح النظام في الحفاظ على تماسكه السياسي وتحويل الجبهة الداخلية من "ثغرة" إلى "درع"، حيث تحول الخطاب الشعبي نحو الدفاع عن السيادة، مما أفقد واشنطن ورقة الحرب النفسية ومنح المفاوض الإيراني قوة أخلاقية، وسقط معها رهان "عنصر الزمن" الذي بدأ يعمل ضد ترامب بسبب تراجع شعبيته في الداخل الأميريكي.

هذا الصمود رفع سقف المطالب الإيرانية، لتتحول المعادلة من منع امتلاك النووي إلى فرض رفع كامل للعقوبات وإيجاد وضع خاص لمضيق هرمز يقنن السيطرة عليه مناصفة مع سلطنة عمان. وفي المقابل، واجهت إيران خسائر هيكلية فادحة؛ حيث دُمر نحو 66 في المئة من قدرات إنتاج الصواريخ و92 في المئة من قطعها البحرية الكبيرة، مما أضعف مخالبها الإقليمية، فضلاً عن شلل اقتصادي عميق وانكماش يقدر بـ10 في المئة، وفجوة في القيادة والسيطرة ناتجة عن اغتيال قياداتها التاريخية، بالإضافة إلى تدمير معظم المصانع والبنى التحتية والجامعات والمعامل التي يمكن أن يكون لها صلة من قريب أو بعيد بالصناعات العسكرية أو النووية.

أما الجانب الأميركي، فبالرغم من تحقيقه "انتصارات تقنية" مبهرة تمثلت في شلل القدرات الاستراتيجية الإيرانية وتدمير منظومات الدفاع الجوي المتقدمة واستعراض القوة التكنولوجية أمام القوى الدولية كرسالة ردع، إلا أنه يواجه خسائر استراتيجية وسياسية معقدة، فقد كانت التكلفة المالية للحرب "انتحاراً سياسياً" لترامب بتجاوزها 18 مليار دولار أولياً، مع تراجع شعبيته إلى 39 في المئة وتصاعد مطالبات الديمقراطيين بتفعيل التعديل الخامس والعشرين بالدستور لإقالته.

يضاف إلى ذلك تصدع التحالفات مع أوروبا وفشل واشنطن في حشد تحالف دولي واسع، لدرجة وصف فيها ترامب الناتو بـ"نمر من ورق". والأهم من ذلك هو الفشل الاستراتيجي في "تغيير سلوك" طهران؛ فبالرغم من كل الدمار، لم تذعن إيران للشروط القديمة واستمرت في التهديد بإغلاق المضيق، مما أثبت أن أداة الحرب لم تحقق الهدف السياسي المنشود، وهو ما دفع الجميع في النهاية للبحث عن مخرج تفاوضي يحفظ ما تبقى من هيبة الأطراف المتصارعة.

نهاية المطاف، تكشف هذه الهدنة الباكستانية أن "القوة الصلبة" للولايات المتحدة، رغم بريقها التكنولوجي، قد اصطدمت بجدار "الواقعية الجيوسياسية" الإيرانية. لقد دمر ترامب المصانع والقواعد، لكنه عجز عن تدمير "الإرادة السياسية" أو تأمين "شريان الطاقة العالمي" دون موافقة طهران.

وفي المقابل، صمدت إيران سياسياً، لكنها تقف اليوم أمام ركام اقتصادي وعسكري سيستغرق عقوداً لترميم ما أفسدته 40 يوماً من النيران.

والاقتراح الباكستاني هو في الحقيقة "مخرج استراتيجي" لخصمين وصلا إلى حافة الهاوية، وكل منهما كان يبحث عن سلم للنزول دون إعلان الهزيمة. ونحن إذن أمام مهلة جديدة وربما فرصة ذهبية لإعادة الاستقرار وإبعاد شبح الحرب عن الشرق الأوسط. بالفعل هناك أطراف غاضبة كانت تستعجل أن ترى إيران تعود إلى العصر الحجري، وهي أيضاً التي عرقلت مسار التفاوض السابق، ولن تألو جهداً لإفشال هذه الجولة، رافعة شعار "لعل الأفاعي تموت بسموم العقارب".

ويظل مضيق هرمز هو الحقيقة الوحيدة الصامدة وسط غبار الحرب؛ فإما أن يكون جسراً لتعاون أمني جديد يعيد صياغة المنطقة، أو يظل "صاعق تفجير" ينتظر أول شرارة ليعيد الجميع إلى "عصر الحجر" الذي هدد به ترامب، ورفضته الجغرافيا.

وفعلياً سقطت نظرية ترامب القائمة على "انسحاب أميركا من حماية الممرات" عند أول اختبار حقيقي في هرمز، فبينما كان يطالب الأوروبيين بالقيام بمهام التأمين، وجد نفسه مكبلاً بضغوط حلفاء الخليج الذين يرفضون ترك أمنهم القومي في يد تقلبات طهران.

حتى المحاولة لتوفير تأمين دولي اصطدمت بالفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن؛ حيث أثبت الفيتو أن الصين مستعدة للمقامرة المؤقتة بأمن طاقتها مقابل منع ترامب من امتلاك مفتاح "النفط العالمي".

المفاوضات القادمة في إسلام آباد ستجري تحت "ظلال المدافع" وصدى الضربات؛ وهي لن تكون حول "المبادئ"، بل حول "إدارة المكاسب" و"ترميم الخسائر"، فترامب يبحث عن اتفاق يضمن له زهو النصر داخلياً، وتمويلاً خليجياً لتسديد فاتورة الحرب، بينما تبحث طهران المجروحة عسكرياً عن اعتراف دولي بدورها الإقليمي وإعادتها للنظام العالمي وبسيادتها على هرمز وتمويل ما دمرته الحرب.

والأسبوعان هما "وقت مستقطع" لترامب لتهدئة أسواق النفط وإيقاف نزيف استطلاعات الرأي، وليس بالضرورة رغبة في سلام دائم. والمصداقية تقتضي القول إن ترامب "تاجر صفقات" وقد ينقلب على الهدنة إذا لم يحصل على تنازل سريع. والنجاح في تحويل هذه الهدنة إلى سلام دائم مرهون بقدرة الطرفين على لجم "صقور الداخل" والرافضين خارجياً لاستمرار نظام الملالي بنفس أجندتهم المرفوضة إقليمياً.