عباءة كوميدية بلا أدنى حس فكاهي في سلسلة 'الثمن'
تتمحور سلسلة "الثمن" للمخرج المغربي ربيع شجيد حول مواجهة الثنائي المتزوج لتحديات المراهقة المتأخرة وسط يوميات عائلية صاخبة،
العمل من سيناريو هشام الغفولي وصفاء بركة، وبطولة كل من عبد الله فركوس، سحر الصديقي، نجاة الوافي، سعاد حسن، ندى هداوي، ورباب كويد ومحمد لكامة.
يواجه المشاهد المغربي صدمة فنية مع عرض سلسلة "الثمن"، التي تُسوق كعمل كوميدي، بينما تفتقر لأبسط مقومات الفكاهة الذكية والسيناريو المتماسك، لأن الجدل حول السلسلة هو استنكار واعٍ ضد استرخاص عقل المتلقي عبر تقديم مادة باهتة ومكررة لا تحترم تطور الوعي الاجتماعي المغربي، فنحن أمام نموذج صارخ للفشل الإبداعي، خاصة عندما تغيب الرسالة الهادفة ويحل محلها ضجيج بصري ومواقف مفتعلة لا تخاطب واقع المجتمع المعاصر..
وتفتقر فكرة السلسلة أساسا للأصالة. لماذا؟ لأنها بكل بساطة تدور في فلك صراعات زوجية بدائية تجاوزها الزمن، الأمر الذي جعل الرسالة الفنية للعمل مفقودة تماماً ومنعدمة الأثر، ولأن التركيز على موضوعات مثل الغيرة السطحية والمراهقة المتأخرة دون معالجة ذكية، جعل العمل يبدو بلا روح، كوسيلة لملء الفراغ الزمني ليس إلا، بينما نشاهد هذا التخبط في غياب وحدة الموضوع، حيث ننتقل من محاولات إضحاك بائسة إلى قضايا مخدرات بشكل مفاجئ وغير مدروس، الأمر الذي يربك المشاهد ويؤكد أن النص لم يُكتب برؤية تحترم عقلية المتلقي الباحث عن الكوميديا الحقيقي. لماذا؟ لأن الفكاهة منعدمة في الحوارات وحتى في المشاهد واللقطات بكل بساطة.
ويدعي العمل الانتماء لخانة الفكاهة، بينما يصطدم المتلقي بحوارات خشبية خالية من روح الدعابة وجافة تماماً من أي مفارقات ذكية، في مقابل الاعتماد على الصراخ والتشنج العضلي لاستجداء الضحك وهو قمة الإفلاس، كما رأينا في مشاهد "كريم" (منصور بدري) وهو يحاول يائسا إثارة غيرة زوجته بمواقف ساذجة لا تضحك أحداً، وهذه الحوارات تفتقر للحس الكوميدي وتعتمد على تكرار جمل ميتة، الأمر الذي جعل العمل يسقط في فخ الثقل عوض الخفة المطلوبة، ويؤكد أن الكتابة الكوميدية هي موهبة، وهي لا تتوفر في هذا العمل المليء بالحشو.
ويشبه الأداء التمثيلي لمعظم الطاقم، بمن فيهم عبدالله فركوس ونجاة الوافي وزهور السيلماني ومحمد لكامة وسحر الصديقي وسعاد حسن، تلك المسرحيات البسيطة التي تُعرض في دور الشباب، حينما يطغى التصنع والبعد عن المهنية، كما نلاحظ مبالغة فجة في تعبيرات الوجه وحركات الجسد لا تتناسب مع عمل تلفزيوني رمضاني، الأمر الذي جعل الشخصيات تبدو كأنها كاريكاتورات مشوهة ليس إلا، وهذا السقوط في فخ الهواية جعل المشاهد يشعر بغربة تجاه الممثلين، وكأنهم يؤدون أدوارهم دون اقتناع في تقصير مهني أفقد العمل قيمته وحوله إلى تجمع لنجوم يكررون أنفسهم في مواقف باهتة تسيء لتاريخهم.
وتنفرد الممثلة قمر السعداوي بكونها الوحيدة التي أتقنت دورها، إذ قدمت أداءً متزناً ومقنعاً وسط هذا الركام من العشوائية والتقصير الذي طبع بقية أفراد الطاقم بمرارة، بينما استطاعت قمر أن تدرك أبعاد شخصيتها وتؤديها بتلقائية تفتقدها السلسلة، في حين نجد بهوتاً من ممثلين مثل سحر الصديقي ورباب كويد اللواتي حصرن أنفسهن في أداء نمطي بارد، وهذا التفاوت يبرز غياب التناغم بين الممثلين، ويجعل من تألق قمر كشمعة وحيدة لا تكفي لإضاءة عمل غارق في الظلام والتردد الذي خيب آمال الجمهور العريضة.
وتمعن جيدا في مكياج الممثلين، مثل ندى سعاد حسن وسحر الصديقي، لتكتشف كارثة جمالية لا علاقة لها بمكياج الفنان أثناء التصوير، وإنما مكياج الأعراس والمناسبات الشعبية المبتذلة، إذ يبرز المكياج ثقيلاً جداً، بألوان فجة وطبقات سميكة تبرز تحت إضاءة الكاميرا، وهذا يفسد واقعية المشاهد ويجعل الفنانين يبدون وكأنهم في حفلة خاصة ليس في بلاتو تصوير، وهذا الإهمال يؤكد غياب الرؤية الجمالية للمخرج ربيع شجيد و للمنتج وطاقمه، حين يطغى التزيين على التشخيص، فنشاهد الوجوه بلاستيكية وتفتقد للتعبيرات الطبيعية التي تتطلبها الكوميديا الاجتماعية.
وتشترك خلية الكتابة المكونة من هشام الغفولي وصفاء بركة تقريباً مع نفس تشكيلة كتابة سلسلة "شكون كان يقول" المعروضة حالياً، وهذا يفسر سر الرداءة المشتركة وضعف الحبكة. لماذا؟ لأن تدوير نفس الأقلام لإنتاج عملين في موسم واحد يخلف نوعاً من الاستنساخ، حينما نجد نفس الحوارات المكررة ونفس البناء الهش الذي يفتقر للابتكار، وهذا الاحتكار الكتابي يقتل التنوع ويحرم الساحة من دماء جديدة، والنتيجة هي أعمال مستنسخة تتشابه في فقرها الفكري وهشاشة بنائها، ويتحمل المنتج هذا كله لانه يكرس سياسة الكم على حساب الكيف في سوق الإنتاج.
ونشاهد الإنتاج في مجمله رديئاً وهزيلاً بشكل يثير الحزن على ميزانيات تُهدر في أعمال لا ترتقي لمستوى تطلعات الجمهور المنفتح على الإنتاجات الرمضانية المهنية، لأن ضعف الجودة البصرية والسمعية، واختيار الديكورات الفقيرة، يبين أن العمل أُنتج بمنطق الاسترخاص التجاري مكان منطق الإبداع الذي يطمح لترك أثر باقٍ في ذاكرة المتلقي، وهذا الفقر جعل السلسلة تفتقد للهوية البصرية الجذابة، وبدت وكأنها صُورت في ظروف غير مهنية، كرقم إضافي في شبكة برامج تعاني من التخمة والضعف.
ويقترب مستوى العمل في صياغته النهائية من المحتوى الذي ينتجه الهواة على منصة يوتيوب، حين تغيب الحرفة والمنطق السليم، وتحل محلها الارتجالية التي تفتقر للنضج، فالمشاهد يشعر بأنه أمام تجربة هاوية تفتقر للصناعة في كل تفاصيلها، من الكتابة إلى الإخراج وصولاً إلى الأداء الباهت، وهذا التشابه مع محتوى "اليوتيوبرز" البسيط يسحب البساط من تحت هيبة التلفزيون الرسمي، ويجعلنا نتساءل عن المعايير التي يتم بناءً عليها اختيار مثل هذه الأعمال لتُعرض في أوقات ذروة المشاهدة.
وتتكرر مشاهد الفشل في كل حلقة، مثل مشهد "حليمة" (سعاد حسن) وهي تضرب صديق ابنتها لحمايتها، وهو مشهد يفتقر للمنطق التربوي ويقدم نموذجاً مشوهاً للعلاقات الأسرية، وهذه المشاهد المفككة لا تخدم العمل، لأنها تزيد من شعور المشاهد بالضجر، وتؤكد أن السلسلة ليست فكاهية، كتجميع لمواقف لا يربط بينها خيط متين أو رؤية إخراجية، وهذه السقطات توضح أن "الثمن" نُفذ بمنطق لا يؤمن إلا بالسرعة في الإنجاز على حساب الجودة والإتقان.
ويستوجب هذا الإخفاق مراجعة شاملة لسياسة اختيار البرامج، لوضع حد لهدر المال العام في أعمال لا تحترم ذكاء المغاربة ولا تقدم أي قيمة مضافة للمشهد الثقافي، كما إن استمرار المراهنة على نفس الوجوه في أدوار لا تناسب تاريخهم، ومع كتابة تفتقد للروح، هو انتحار فني يضر بسمعة الكوميديا المغربية بشكل مستقيم وخطير، فالجمهور اليوم يطالب بإنتاجات تجمع بين الترفيه والقيمة، بعيداً عن الوصفات الجاهزة والمكياج الكارثي والحوارات الخاوية، لعلنا نصل لإنتاج يحترم الثمن الذي يدفعه المشاهد من وقته وذكائه لمتابعة قنواته الوطنية، رغم أن أصحاب العمل أنفسهم لا تعجبهم أعمالهم ولا يشاهدونها، فكيف بالمتلقي؟