غالب هلسة بين الذاتي والموضوعي

رواية سلطانة لغالب هلسا تم تصنيفها ضمن أفضل 100 رواية عربية وتميزت بالجرأة في طرح موضوعات طي الكتمان.

في ربيع العام 1995 كان موعدي الأول مع رابطة الكتاب الأردنيين، حيث يستضيف رئيس الرابطة آنذاك فخري قعوار الكاتب المسرحي والسيناريست الكبير سعد الدين وهبه، وكان من ضمن الحضور شيخ المؤرخين الأردني روكس بن زائد العزيزي المولود في العام 1900، رحمهم الله جميعا وكل واحد منهم يمكن أن أفرد له مقالة للحديث عن سيرته ومسيرته، استمتعت باللقاء وبشوارع جبل اللويبدة وأبنيته التي تشبه القدس في حجارتها القديمة المرصوصة بحب وانتظام..

وما علق بذهني من ذلك التاريخ هو صورة للأديب غالب هلسا إلى جانب صورة الزعيم جمال عبد الناصر، لم تثر الصورة فضولي ولم اقرأ له شيئا إلى أن استمتعت بمشاهدة مسلسل سلطانه عن رواية بنفس العنوان للأديب غالب هلسا من انتاج مجموعة المركز العربي – عمان.

تجدر الاشارة الى أن رواية سلطانة تم تصنيفها ضمن أفضل 100 رواية عربية.

ما لفت نظري هو الجرأة في طرح موضوعات كنا نعايشها لكن لا نتناولها بالعلن وتبقى طي الكتمان، فكانت الجرأة هي عنوان هذا العمل من رأسه إلى قدميه، كان المسلسل من انتاج العام 2008 وشارك البطولة فيه كوكبة من النجوم الأردنيين والسوريين فكان عابرا للحدود كما هو شان غالب هلسا الذي لم يعترف بحدود سايكس بيكو وعاش بين بيروت ودمشق وبغداد والقاهرة التي عاش فيها 22 سنة متصلة.

 وجدت القاهرة تقفز أمامي في العامية التي تخللت روايته التي تحمل عنوان السؤال والتي وقعت تحت يدي بإهداء من رابطة الكتاب في طبعتها الجديدة للعام 2008 وبرعاية وزارة الثقافة الأردنية، وجدت القاهرة بشعبها وأزقتها وحواريها الشعبية ولهجتها الدارجة في حوارات الشخوص مما أضفى على جو الرواية حالة من الواقعية، إلى جانب لغة عربية رصينة وغنية وسلسة في نفس الوقت في السرد.

من أعمال غالب هلسا
من أعمال غالب هلسا

كان لحياته في مصر محطة هامة يجب التوقف عندها فقد تم اعتقاله في العام 1966 كان ممن شاركوه سجنه الأديب الروائي جمال الغيطاني والشاعر الصعيدي عبد الرحمن الأبنودي الذي كتب أجمل القصائد التي غناها العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ، والشاعر اليساري المعروف سيد حجاب الذي كتب أعظم تترات المسلسلات المصرية الخالدة وأذكر منها ليالي الحلمية على سبيل المثال، ويفيد سيد حجاب في لقاء حول غالب هلسا بأنه لم يعرف أن غالب زميله في التنظيم السري، إلى السجن بعد اعتقالهما، لم يمكثوا طويلا في السجن حيث استغل رفاقهم زيارة الكاتب الوجودي الشهير جان بول سارتر، فتحدث سارتر بشأنهم إلى عبدالناصر الذي أمر شعراوي جمعة بالإفراج عنهم فورا.

ومن أساطير الأدب في مصر من الذين عايشوه الدكتور فاروق شوشة صاحب الصوت الرخيم، الذي كنت استرق السمع إلى برنامجه على أثير اذاعة القاهرة بعنوان لغتنا الجميلة حيث كان يلتقي بغالب هلسا على هامش فعاليات كانت تقيمها الجامعة الأميركية في القاهرة، مطلع خمسينيات القرن الماضي، فيقوم غالب بترجمتها لتنشر في صحف عالمية.

 أما اعتقاله الثاني في مصر فقد كان في عهد السادات في العام 1979 وهنا أصبح بإمكاننا القول أننا أمام صنع الله ابراهيم آخر لكن بنسخة أردنية.

بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حاولت جاهدا أن أحظى له بمقابلة لكن أمنيتي بقيت مؤجلة عن التحقيق إلى أن حظيت بمقابلة نادرة ووحيدة له مع المذيع السعودي المخضرم محمد رضا نصر الله على يوتيوب قبل ستة أشهر من كتابة هذه السطور ورغم عدم ذكر تاريخ المقابلة إلا انني قدرت أنها تعود للعام 1978 وذلك بسبب تزامنها مع مقابلة أخرى بنفس التاريخ أجراها المذيع محمد رضا نصر الله مع جبرا ابراهيم جبرا.

صدر لغالب هلسة عدة أعمال روائية مثل الخماسين، الضحك، السؤال، البكاء على الأطلال. بالإضافة لعدة ترجمات وعدة أعمال أخرى منها أدباء علموني ... أدباء عرفتهم، المغترب الأبدي يتحدث.

توفي في دمشق العام 1989 ودفن في الأردن، وتخليدا لذكراه قامت وزارة الثقافة الأردنية بتحويل البيت الذي عاش فيه في قريته الوادعة المسماة ماعين المطلة على البحر الميت وفلسطين إلى متحف.