قبل اللاعودة: لماذا أصبح 'التفاوض الحرج' طوق النجاة الأخير؟
دخلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في نفق الاستنزاف المتبادل بعد أن تخطت مرحلة "الضربات الخاطفة"، ومع كل ساعة تمر يضيق معها أفق التوصل إلى حل مقبول للخروج من هذا المأزق، بعد أن وصل السلاح تقريباً إلى حدوده النهائية من قدرته على الحسم، خاصة مع تضارب أهداف الصراع.
وعندما يصبح عنصر الوقت ضاغطاً، تنتقل أجواء الأزمة من جبهات القتال إلى دوائر صنع القرار؛ واتخاذ القرار الاستراتيجي يصبح بالتالي وكأنه مفاضلة بين "ما هو محظور" لكلفته غير المحتملة، وما هو "حرج" لتراجع فرص نجاحه؛ لذا يضطر صانع القرار للجوء إلى الخيار الثاني، لأنه لا يمتلك رفاهية دفع ثمن أو تحمل تداعيات الخيار الأول.
في إيران، انعكس غبار الضربات على بنية السياسة؛ فالقيادات غابت أو غُيبت بالاغتيال، حتى بات من الصعب تحديد "العنوان" الذي يمكن التفاوض معه: أهو الحرس الثوري، أم قيادات دينية في الظل، أم واجهات مدنية؟ والأهم من ذلك، ما هي حدود تفويضهم ومن أين حصلوا عليها؟ ورغم الوساطات التي قادتها أطراف إقليمية كباكستان ومصر والسعودية وتركيا، إلا أن ما يرشح منها قليل للغاية. وما يزيد من ضبابية الموقف تهديد الرئيس دونالد ترامب بـ"الجحيم" إذا لم يحدث تقدم بالمفاوضات وفتح مضيق هرمز.. هذا الانسداد نقل الصراع من كواليس السلطة إلى الشارع للحسم، واستهدف المتطرفون في إيران وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف والرئيس السابق حسن روحاني، واصفين إياهما بـ"الخونة" بعد دعوتهما إلى إنهاء الحرب من خلال مقال نُشر لوضع خطة لخفض التوترات، زاعمين أن على طهران "استغلال تفوقها لا لمواصلة القتال، بل لإعلان النصر والتوصل إلى اتفاق".
لقد طرح ظريف، وهو سياسي مخضرم، خطة لخفض التصعيد تقوم على "إعلان النصر والتوصل لاتفاق"، محذراً من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى مزيد من تدمير البنية التحتية وخسائر في أرواح المدنيين؛ بل ذهب إلى حد اقتراح أن تحد إيران من برنامجها النووي وتفتح مضيق هرمز مقابل رفع جميع العقوبات، ودعا إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. من جانبه، شدد روحاني على ضرورة حماية موارد البلاد وتجنب الهجمات على جزر الخليج العربي حفاظاً على المصالح الوطنية. ولكي يكتمل المشهد إحصائياً، فإن بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) تكشف أن الولايات المتحدة تنفق سنوياً حوالي 916 مليار دولار على الدفاع؛ في المقابل، لا يتجاوز الإنفاق العسكري الإيراني 27 مليار دولار، هذه الفجوة الكمية تؤكد أن استمرار الحرب دون حسم يعني استنزافاً غير متكافئ لإيران.. بالتالي فإن كلاً من ظريف وروحاني لا يمارسان التخاذل أو الخيانة كما يعتقد خصومهما، بل يطبقان جوهر المفاضلة الاستراتيجية؛ ويسعيان لتجرع كأس "ما هو حرج" ولو حمل في طياته انكساراً أو هزيمة مؤقتة، بدلاً من السقوط في "ما هو محظور" الذي يعني زوال الدولة وتفكك الكيان.
وعلى الضفة الأخرى، لا يبدو المشهد الأميركي - الإسرائيلي أقل تعقيداً؛ فإذا كانت إيران تعاني من "سيولة السلطة"، فإن خصومها يعانون من "تضخم الأهداف" وتصادمها. من وجهة نظر إسرائيل، يتمثل الهدف المباشر في تحييد النظام من أصوله الرئيسية - الأسلحة النووية والصواريخ والوكلاء - مع التركيز على انعدام قدراته على إعادة التأهيل. بعد ذلك، وطالما استمرت إسرائيل والولايات المتحدة في مهاجمة المراكز الاقتصادية للنظام، فمن المتوقع أن يخرج الشعب في نهاية المطاف إلى الشوارع، وأن يكون ذلك بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير - مدعوماً على الأرجح بقوات مسلحة كبيرة - على أمل أن يتحقق حلم اليمين القومي بـ"النصر المطلق" وتغيير خارطة الشرق الأوسط عبر القوة الصلبة، معتبرين أن أي تفاوض الآن هو "خيار حرج" يعني الفشل في استثمار التفوق العسكري. أما بالنسبة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن العودة لطاولة المفاوضات دون "حسم وجودي" هي انتحار سياسي شخصي، لذا فهو يندفع نحو حافة "ما هو محظور" (الحرب الإقليمية الشاملة)، مراهناً على أن كلفة هذا الخيار سيتحملها الحليف الأميركي بالدرجة الأولى.
أما في واشنطن، فتبدو الحسابات غارقة في التناقض؛ فالإدارة تدرك أن الانزلاق لمواجهة مفتوحة مع إيران هو "المحظور" الأكبر الذي سيحرق أوراقها الانتخابية ويهدد مصالحها الحيوية، حيث يأمل الجمهوريون بقيادة ترامب في الحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة في كل من مجلسي الشيوخ والنواب، فضلاً عن أن الرئيس دونالد ترامب سيضطر قريباً للجوء إلى الكونغرس لمنحه التفويض اللازم لاستمرار الحرب أو التوسع فيها، وكلاهما يمثلان نقل الحرب مباشرة إلى الشارع الأميركي، وهي كلفة قد لا يتحملها. ويجب التذكير أن إدارته تقدمت بطلب للكونغرس بخفض الإنفاق غير الدفاعي التقديري بنسبة 10 بالمئة، وتخصيص 1.5 تريليون دولار من إجمالي موارد الميزانية للدفاع في السنة المالية 2027، في ظل تزايد الحديث عن نقص في المخزون الاستراتيجي للذخائر وزيادة كلفة الحرب التي بلغت تبعاً لآخر تقرير حوالي 12 مليار دولار.. هذا الاستنزاف المالي والعسكري هو ما قد يفرض "الخيار الحرج" على إدارة ترامب التي تفتقر للشجاعة السياسية لفرض "الخيار الحرج" على حليفها الإسرائيلي.
إن المأزق الأميركي - الإسرائيلي يكمن في أن "سقف السلاح" قد استُنفِد؛ فالغارات والاغتيالات أضعفت الخصم لكنها لم تكسر إرادته، والآن يجد صانع القرار في واشنطن وتل أبيب نفسه أمام ذات المعادلة الإيرانية: هل يمتلك القدرة على دفع ثمن "المحظور" إذا اشتعلت المنطقة بأكملها؟ أم سيتجرع مرارة "الحرج" ويعود للتفاوض قبل أن يبتلع الاستنزاف ما تبقى من قدرة على الردع؟
الأمر المؤسف أن الأطراف الثلاثة في الصراع يلعبون بالنار فوق منطقة مشتعلة أصلاً، وتحمل في باطنها مقدرات نفطية تتحكم في اقتصاديات العالم، ولا تحتمل الدخول في غياهب صراعات تم تجربتها سابقاً في العراق وأفغانستان، ولا يمكن توقع أمر مختلف؛ وجميعها أثبتت فشلها لسبب واحد فقط، هو تجاوز لحظة الحسم قبل اتخاذ القرار المؤلم وقبل الانجرار إلى ما هو أكثر إيلاماً. وما هو "محظور" بالنسبة لدول المنطقة هو الانزلاق إلى مواجهة شاملة (Total War) أو انهيار إقليمي واسع. هذه كلفة "غير محتملة" لأنها لا تهدد الأنظمة فحسب، بل تهدد أمن الطاقة العالمي وخرائط النفوذ المستقرة؛ هو خيار انتحاري يدرك الجميع عواقبه، لذا يظل في دائرة "المحظور"، ويفرض على صانع القرار سواء في عواصم المنطقة أو في واشنطن عقلانية إجبارية، إذ تتحول براميل النفط من وسيلة لتمويل الحروب إلى قيد يمنع اشتعالها الشامل، نظراً لأن كلفة انقطاع الإمدادات تتجاوز بمراحل أي مكاسب سياسية أو عسكرية يمكن تحقيقها على الأرض.
الأطراف، سواء طهران أو خصومها، لم تعد تمتلك "الرفاهية" المالية أو السياسية أو العسكرية لتحمل نتائج "المحظور". والاستمرار في الحرب دون حسم يعني استنزاف الموارد التي تُبقي هذه الدول فاعلة، وبالتالي فإن اختيار "الحرج" (المفاوضات) هو فعل عقلاني للنجاة.
في نهاية المطاف، تؤكد دروس الجغرافيا السياسية أن التحول من أمرٍ غير منطقي إلى شيءٍ يستحيل تحقيقه لا يعتبر تنازلاً، بل فرصة جديدة للنجاة. اليوم، يجد صانع القرار نفسه أمام حقيقة مجردة: القرار السيادي في هذه الأزمة هو مفاضلة بين "ما هو محظور" لكلفته غير المحتملة، وما هو "حرج" لتراجع فرص نجاحه؛ لذا فإن العودة إلى التفاوض ليست ضعفاً، بل هي انحياز اضطراري للخيار الثاني، لافتقار الجميع لرفاهية دفع ثمن الخيار الأول والدخول في مرحلة اللاعودة."