لبنان بين هدنة الضرورة واحتمال السلام
بيروت - يقف لبنان عند تقاطع نادر بين التصعيد العسكري المتواصل والفرص السياسية السانحة، حيث يفتح وقف إطلاق النار الأخير؛ على الرغم من تأرجحه، نافذة محدودة لإعادة صياغة موقعه ضمن المعادلة الإقليمية الراهنة.
وفي هذا السياق، تبرز الرسالة الأميركية الداعية إلى حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، بوصفها مؤشرًا على تحوّلٍ في المقاربة الدولية تجاه هذا الملف، من إدارة الصراع إلى محاولة احتوائه عبر مسارات تفاوضية. فالمبادرة الأميركية لا تقتصر على هدف خفض التوتر وحسب، بل تسعى إلى إعادة تمكين الدولة اللبنانية كفاعل تفاوضي، في مواجهة واقع داخلي يتسم بتعدد مراكز القرار.
لحظة بين الإرهاق وإعادة التعريف
نادرًا ما تتقاطع في الحالة اللبنانية عناصر الإرهاق الداخلي مع لحظات الانفتاح الدولي. إلا أن التطورات الأخيرة، بدءًا من وقف إطلاق النار، وصولًا إلى المبادرة الأميركية، تضع لبنان أمام اختبار من نوع مختلف: ليس فقط كيف ينجو من التصعيد، بل كيف يعيد تعريف نفسه كدولة.
لقد اعتاد لبنان أن يكون ساحةً لتقاطع المصالح الإقليمية، لا طرفًا فاعلًا فيها. غير أن الدعوة إلى حوار مباشر مع إسرائيل، بما تحمله من رمزية سياسية عالية، تفتح الباب أمام احتمال تحوّل تدريجي في هذا الدور؛ ولو ضمن حدود ضيقة ومليئة بالألغام.
سيادة منقوصة في دولة متعدّدة القرار
تُصنِّف الأدبيات السياسية لبنان ضمن الدول الهشّة، حيث لا تحتكر الدولة استخدام القوة بشكل كامل، وتتداخل سلطتها مع فاعلين يمتلكون قدرات عسكرية وتنظيمية مستقلة وفي مقدمتهم حزب الله.
في هذا السياق، تصبح السيادة مفهومًا إجرائيًا أكثر منها واقعًا مكتملًا. فالدولة اللبنانية، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، تواجه قيودًا داخلية تحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية، لا سيما في ملفات الحرب والسلم، على شاكلة ما يعيشه اللبنانيون في هذه الأيام.
هذا الواقع يجعل أي مبادرة خارجية؛ كالرسالة الأميركية الأخيرة، تتجاوز بُعدها الدبلوماسي، لتتحول إلى اختبارٍ لبنية الدولة نفسها، لا سيما من حيث مجموعة من العناصر التي تستحق التوقف عندها، مثل الدعوة الصريحة إلى حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، واقتراح عقد لقاءٍ على مستوى القيادة السياسية بين البلدين، والوعود بضمانات تتعلق بالسيادة وأمن الحدود وإعادة الإعمار.
الأهم من ذلك، أن الرسالة تتحدث بلغة غير مألوفة نسبيًا في السياق اللبناني، حين تطرح التفاوض كمدخل لاستعادة الدولة، لا كتنازل عنها. ويمكن فهم هذه المقاربة في إطار تحوّل أوسع في السياسة الأميركية، يسعى إلى تثبيت الاستقرار في الجبهات القابلة للاشتعال، وتقليص هامش الفاعلين غير الدوليين، وإعادة تفعيل دور الدول كقنوات تفاوض رسمية.
بين الواقع الميداني والمسار السياسي
رغم الطابع التفاؤلي للمبادرة، لا يمكن تجاهل التناقض القائم بين الخطاب السياسي والتطورات الميدانية. فاستمرار العمليات العسكرية، سواء من الجانب الإسرائيلي أو من قبل حزب الله، يعكس هشاشة وقف إطلاق النار، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية الأطراف في الانتقال إلى مسار تفاوضي مستقر.
غير أن هذا التناقض ليس جديدًا في تجارب النزاعات، حيث غالبًا ما تتزامن مسارات التهدئة مع ضغوط ميدانية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض.
لكن ما يبدو جليًا للعيان في الوقت الحالي هو أن الإشكالية الأساسية تكمن اليوم في قدرة الدولة اللبنانية على الاستجابة للمبادرة الأميركية ضمن بيئة داخلية منقسمة، سيما أن وجود فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة لا يقتصر تأثيره على الميدان، بل يمتد إلى المجال السياسي، حيث يشكل ما يمكن وصفه بـ"فيتو ضمني" على القرارات السيادية.
في المقابل، وعلى الرغم من أن بعض المؤشرات تدلّ إلى تراجعٍ نسبي في فعالية هذا الفيتو، سواء نتيجة الضغوط الداخلية أو التحولات الإقليمية، فإن ما قد يفتح هامشًا محدودًا أمام الدولة للتحرّك يتمثل في تنشيط الحملات الحزبية والشعبية؛ خارج نطاق بيئة "الثنائي الشيعي"، المؤيدة في الصميم لتوجهات رئيسيّ الجمهورية ومجلس الوزراء، جوزيف عون ونواف سلام، في مجال العمل على استعادة هيبة لبنان الرسمي.
السيناريوهات المحتملة
حتى الآن، تتراوح التوقعات المطروحة حول مستقبل لبنان على المدى القريب بين ثلاثة سيناريوهات، أولها الانخراط التدريجي؛ بحيث تنجح الدولة اللبنانية في فتح قنوات تفاوض غير مباشرة، تتطور لاحقًا إلى مسار أكثر وضوحًا، مدعوم بضمانات دولية. وثانيها الاحتواء الداخلي؛ بحيث يتم امتصاص المبادرة ضمن التوازنات الداخلية، دون ترجمتها إلى خطوات عملية، ما يبقي الوضع في حالة جمود. وثالثها الانفجار؛ بحيث يؤدي أي تصعيد ميداني كبير إلى إنهاء فرص التهدئة، وإعادة خلط الأوراق بالكامل.
وتشير المعطيات هنا إلى أن لبنان يقف أمام فرصة محدودة لكنها حقيقية لإعادة تعريف موقعه كدولة. إلا أن هذه الفرصة لا يمكن فصلها عن التحديات البنيوية التي تعيق القرار السيادي. ولعل السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الوضع في حالة "اللااستقرار المنضبط"، مع محاولات تدريجية لفتح مسارات تفاوضية، دون الوصول إلى اختراقات سريعة.
وفي هذا الإطار، لا يُختبر لبنان بقدرته على تحقيق السلام فحسب، بل بقدرته على استعادة وظيفة الدولة نفسها. وهو اختبار يتجاوز اللحظة الراهنة، ليطال جوهر الكيان السياسي اللبناني.