لطيفة رأفت صوت الأصالة يصدح في سماء تونس
تونس ـ تستعد الديفا المغربية لطيفة رأفت لاعتلاء خشبة مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة لإحياء حفل اختتام الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان الأغنية التونسية، التي تُنتظم انطلاقا من اليوم 8 مارس 2026.
وجاء اختيار الفنانة المغربية لهذا الموعد الفني البارز تكريما لمسيرة طويلة من العطاء والإبداع امتدت لأكثر من أربعة عقود، استطاعت خلالها أن تحجز لنفسها مكانة راسخة بين أبرز الأصوات النسائية في العالم العربي.
ويحمل حضور لطيفة رأفت في تونس أكثر من دلالة؛ فهو من جهة احتفاء بتجربة فنية حافظت على روح الأغنية المغربية الأصيلة، ومن جهة أخرى تأكيد على متانة الجسور الثقافية التي تجمع بين بلدان المغرب العربي، حيث ظل صوتها لسنوات طويلة مألوفاً لدى الجمهور في تونس والجزائر وليبيا، تماماً كما هو الحال في المغرب.
منذ بداياتها الأولى، برزت لطيفة رأفت كموهبة استثنائية تمتلك صوتاً دافئا وقدرة كبيرة على الأداء الطربي. وكان شغفها بالغناء واضحاً منذ طفولتها،غير أن الطريق إلى الفن لم يكن سهلاً؛ فوالدها كان متحفظاً على فكرة دخولها مجال الغناء خوفاً على مستقبلها الاجتماعي والدراسي، لكن إصرارها ودعم شقيقها وبعض المقربين الذين آمنوا بموهبتها لعبا دوراً حاسماً في تغيير موقف الأسرة.
وفي سن المراهقة، سجلت أولى أغنياتها سنة 1982 بعنوان "موال الحب"، وهو العمل الذي شكل الانطلاقة الفعلية لمسيرتها الفنية، وكانت تكن تلك الأغنية بداية رحلة طويلة من النجاح والتألق في الساحة الموسيقية المغربية.
مع مرور السنوات، تمكنت لطيفة رأفت من تثبيت اسمها بقوة في عالم الغناء، فجاءت أغنية "خويي خويي" لتشكل نقطة التحول الكبرى في مسيرتها، حيث حققت انتشارا واسعا داخل المغرب وخارجه، ومنحتها لقب أفضل مغنية مغربية في تلك المرحلة. وحمل نجاح الأغنية بعدا ثقافيا، إذ أصرت لطيفة على الغناء باللهجة المغربية المحلية في وقت كان العديد من الفنانين يتجهون إلى اللهجة المصرية أو الخليجية بحثاً عن الانتشار.
ذلك الاختيار الجريء أثبت أن الأغنية المغربية قادرة على الوصول إلى الجمهور العربي دون أن تتخلى عن هويتها. وبفضل هذا التوجه، أصبحت لطيفة رأفت واحدة من أهم سفيرات الأغنية المغربية في العالم العربي، حيث شاركت في العديد من المهرجانات الكبرى وقدمت حفلات ناجحة في مختلف الدول العربية.
تميزت مسيرتها الفنية أيضا بتعاونات موسيقية مهمة مع فنانين وملحنين من مختلف البلدان. فقد تعاونت مع الفنان الجزائري محمد لمين في أغنية "توحشك بزاف"، وهو عمل جسد روح التقارب الفني بين المغرب والجزائر. كما قدمت عملا آخر بعنوان "جبال الأطلس" إلى جانب الفنان المغربي نعمان الحلو، وهو عمل اعتبره النقاد إضافة نوعية للأغنية المغربية لما حمله من عمق موسيقي وكلمات تعكس جمال الطبيعة والهوية الثقافية للمغرب.
وفي عام 2012، أصدرت ألبوم "ياريت" الذي شهد تعاونها مع مجموعة من الفنانين من مختلف البلدان العربية، في خطوة عكست رغبتها في الانفتاح على تجارب موسيقية متنوعة دون التخلي عن روحها الفنية الأصيلة.
ولم تكن مسيرة لطيفة رأفت خالية من التحديات، فقد عاشت محطات إنسانية صعبة تركت أثرها في حياتها الشخصية والفنية. كان أبرزها انفصالها عن زوجها ومنتج أعمالها الأول محمد حميد، وهو الحدث الذي شكل منعطفا مهماً في حياتها، فهذا الانفصال لم يكن مجرد تجربة شخصية، بل كان له تأثير واضح على مسارها الفني.
وتفاقمت الصعوبات عندما تعرضت لوعكة صحية خطيرة أدت إلى إصابتها بالشلل النصفي، ما اضطرها إلى الابتعاد عن الساحة الفنية لفترة طويلة. خلال تلك المرحلة، اعتقد كثيرون أن مسيرة "الديفا" قد وصلت إلى نهايتها، غير أن إرادتها القوية وإيمانها العميق بالفن جعلاها تعود مجدداً إلى جمهورها.
عادت لطيفة رأفت إلى الغناء أكثر نضجا وقوة، حاملة في صوتها تجارب الحياة بكل ما فيها من ألم وأمل، وأكدت في العديد من تصريحاتها أن الفن بالنسبة لها ليس مهنة، بل رسالة حياة ووسيلة للتواصل مع الناس.
إلى جانب مسيرتها الفنية، عرفت لطيفة رأفت بمواقفها الصريحة تجاه قضايا الساحة الثقافية في المغرب، فقد كانت من بين الفنانين الذين انتقدوا طريقة توزيع الدعم الفني، مطالبة بضرورة تحقيق العدالة والشفافية في دعم المشاريع الثقافية والفنية. هذا الموقف عزز صورتها كفنانة ملتزمة بقضايا الفن والمجتمع، لا تكتفي بالغناء بل تسعى أيضاً إلى الدفاع عن حقوق الفنانين.
كما ارتبط اسمها دائماً بالأناقة والاعتزاز بالهوية المغربية، حيث تحرص في حفلاتها ومشاركاتها الدولية على الظهور بالقفطان المغربي التقليدي، معتبرة أن الفنان يمثل ثقافة بلده أمام العالم.
وقد حصدت لطيفة رأفت خلال مسيرتها العديد من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهاماتها في تطوير الأغنية المغربية. ومن بين هذه التكريمات درع مهرجان “صيف الأوداية” سنة 2023، إضافة إلى تكريمات من مؤسسات ثقافية وفنية مختلفة.
اليوم، وهي تستعد لإحياء حفل اختتام مهرجان الأغنية التونسية، تحمل لطيفة رأفت معها إرثاً فنياً غنياً يضم عشرات الأغاني التي شكلت ذاكرة أجيال كاملة، مثل "دنيا يا دنيا" و"منامه" و"حبيبي ما شفت بحالو". وسيكون هذا الحفل فرصة للجمهور التونسي للاستمتاع بصوت ظل لسنوات طويلة رمزاً للأصالة والطرب.
إن حضور لطيفة رأفت في تونس لا يمثل مجرد مشاركة فنية، بل هو احتفاء بتاريخ طويل من الإبداع والتجدد. فبعد أكثر من أربعين عاماً من العطاء، ما زالت هذه الفنانة قادرة على الحفاظ على بريقها الفني وعلى علاقة خاصة مع جمهورها، الذي يرى فيها نموذجاً للفنانة التي نجحت في التطور دون أن تفقد جذورها.
وعندما يصدح صوتها على مسرح الأوبرا في تونس، سيكون ذلك بمثابة رسالة جديدة تؤكد أن الأغنية المغربية قادرة على الاستمرار والتألق، وأن الفن الصادق يظل قادراً على عبور الحدود والسنين.