لقاء أربيل ينعش رهانات التسوية: هل ينجح بارزاني في فك عقدة تشكيل الحكومة العراقية؟

مسعود بارزاني مرشح لتحويل موقعه التوافقي إلى جسر يعبر منه الفرقاء نحو اتفاق طال انتظاره.

أربيل - أعلن حزب الدعوة الإسلامية أن وفده الرسمي الذي زار أربيل عقد لقاء مع الزعيم الكردي مسعود بارزاني لبحث آليات تسريع تشكيل الحكومة المقبلة، مؤكدا أن المباحثات تناولت الاستحقاقات الدستورية وسبل إقامة حكومة "قوية ومقتدرة" تعزز الاستقرار السياسي وتلبي تطلعات المواطنين، إلا أن هذا اللقاء في توقيته ومضمونه يأتي في ظل جمود سياسي يعيشه العراق بعد تجاوز المدد الدستورية لتشكيل الحكومة عقب الانتخابات الأخيرة.

وفي الوقت ذاته يفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالاته السياسية، فاختيار أربيل محطة للحوار يعكس إدراكا متناميا لدى القوى المتنافسة بأن عاصمة إقليم كردستان تحولت إلى منصة تفاوضية مؤثرة، قادرة على جمع أطراف متباعدة حين تتعثر التفاهمات في بغداد. ومن هنا تبرز فرضية أن بارزاني قد يلعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر داخل المكون الشيعي، الذي ما زال عاجزا عن الاتفاق على مرشح موحد لرئاسة الوزراء، بينما أوضح البيان أن الجانبين شددا على ضرورة إنجاز هذه الاستحقاقات ضمن الأطر القانونية، مع التأكيد على توسيع التعاون المشترك وترسيخ الشراكة الوطنية.

ويستند هذا الاحتمال إلى شبكة العلاقات التي نسجها رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مع مختلف القوى العراقية على مدى سنوات، إضافة إلى رصيد الثقة الذي يتمتع به لدى أطراف متباينة، فالرجل اعتاد أداء أدوار توافقية في مراحل الأزمات، مستفيدا من موقع الإقليم الذي يحافظ على هامش سياسي يسمح له بالتحرك بين الخصوم دون أن يُحسب بالكامل على أي محور.

في المقابل، تتداخل حسابات الداخل مع معطيات خارجية تزيد المشهد تعقيدا، خصوصا مع الحديث عن مساعي نوري المالكي للعودة إلى رئاسة الحكومة عبر البحث عن غطاء سياسي أوسع. غير أن طموحه يواجه اعتراضا واضحا من الولايات المتحدة التي تنظر بتحفظ إلى عودته بسبب سجل فترة حكمه السابقة المرتبط بملفات فساد واستقطاب طائفي وأحداث عنف، ما يجعل أي توافق داخلي بشأنه عرضة لتأثير المواقف الدولية.

ولا يقتصر التعقيد على منصب رئيس الوزراء، إذ لا يزال المكون الكردي نفسه منقسما بشأن مرشح رئاسة الجمهورية، رغم أن المؤشرات تفيد بوجود اتجاه متزايد لحسم هذا الملف. ويعني ذلك أن عملية تشكيل السلطة التنفيذية ستظل رهينة سلسلة تفاهمات متوازية تشمل المناصب السيادية الثلاثة، ما يفسر تكثيف اللقاءات السياسية الثنائية في هذه المرحلة الحساسة.

وأشار بيان حزب الدعوة أيضا إلى أن اللقاء شدد على عمق العلاقات التاريخية بين الطرفين منذ مراحل المعارضة للنظام السابق، معتبرا أن تلك التجربة المشتركة أسست لثقة يمكن البناء عليها لتطوير الشراكة الوطنية. هذه الإشارة تحمل دلالة سياسية، إذ توحي بأن استحضار الماضي النضالي المشترك قد يُستخدم كأداة لتليين المواقف المتصلبة وتهيئة أرضية تفاهمات جديدة.

وتوحي مجمل المعطيات بأن زيارة الوفد ليست حدثا بروتوكوليا، بل حلقة ضمن حراك أوسع يهدف إلى كسر حالة الشلل السياسي، فالعراق يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما استمرار التعثر وما يرافقه من هشاشة مؤسساتية، أو نجاح وساطات غير رسمية في إنتاج تسوية تفتح الباب أمام حكومة جديدة.

وفي قلب هذا المشهد، تبدو أربيل مرشحة للعب دور بيضة القبان، بينما يظل السؤال المطروح: هل ينجح بارزاني في تحويل موقعه التوافقي إلى جسر يعبر منه الفرقاء نحو اتفاق طال انتظاره؟