هل ينجح لبنان في حماية حدوده وموارده؟

لبنان اليوم بمكوناته المختلفة يمتلك عناصر القرار التي تتيح له الاختيار بين التصعيد العسكري او الانفتاح السياسي.

يعيد المشهد في جنوب لبنان اليوم فتح دفاتر التاريخ الأليمة، وتحديداً ما جرى في عام 1978 خلال عملية الليطاني. فحينها كان الشعار الإسرائيلي هو حماية الحدود الشمالية، غير أنّ النتيجة الواقعية تمثلت في تدمير القرى، تهجير السكان، وفرض حزام أمني استنزف الأرض والإنسان لعقود. واليوم تتكرر ملامح تلك الحقبة عبر أوامر الإخلاء الواسعة والتي نراها تحول القرى الحدودية إلى مناطق أشباح، وهي محاولة واضحة لتفريغ الجغرافيا وتحويلها إلى منطقة عازلة تخلو من الحياة والنشاط الطبيعي. انّ هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مصيري تتقاطع فيه النيران العسكرية بخرائط الدبلوماسية المعقدة.

وفي ظلّ هذا المناخ المشحون، لم يعد التفاوض مجرد خيار، انّما أمراً مفروضاً، لكنه بالنسبة للبنان لا يمكن أن يحدث في فراغ. فالتوجه الرسمي اللبناني اليوم، والذي يعبر عنه رئيس مجلس النواب نبيه بري، يقوم على ضرورة أن يكون التفاوض عملية وطنية شاملة. فالملفات السيادية، خاصة ما يتعلق بالحدود والأمن، لا تحتمل الانفراد بالقرار أو منطق الإقصاء، والإصرار هنا ليس تقنياً فقط، إنّما هو تأكيد على أن أي اتفاق يجب أن يحظى بتوافق وطني لضمان استدامته، وكي لا يبدو مجرد إملاءات خارجية.

امّا قانونياً، فيظل القرار 1701 هو الملاذ الوحيد الذي يتمسك به لبنان كمرجعية لتنظيم الوضع الحدودي، على اعتبار أن العودة لتطبيقه بحذافيره هي الممر الإلزامي لوقف العدوان وتعزيز دور الجيش وقوات اليونيفيل. وفي المقابل تظهر العقدة في الرفض الإسرائيلي للصيغة القديمة لهذا القرار، حيث تطلب تل أبيب ترتيبات أمنية أكثر صرامة تضمن إبعاداً كاملاً للسلاح عن حدودها. إن هذا التباين يجعل المفاوضات تراوح مكانها، بينما يدفع الجنوبيون الثمن من أمنهم وقراهم التي يرفض لبنان رسمياً تحويلها إلى أرض محروقة أو مناطق عازلة.

وكما يبدو إن هذا الصراع يتجاوز حدود القرى الجنوبية ليدخل في صلب حرب الطاقة العالمية. فإسرائيل اليوم التي باتت لاعباً في سوق الغاز عبر حقل كاريش، تسعى لتأمين صادراتها نحو أوروبا، بينما تمتلك إيران أوراق قوة ضخمة عبر نفوذها في مضيق هرمز. وقد تجلى هذا التشابك بوضوح في الاستهدافات الأميركية لمواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، فرغم عدم ضرب الآبار مباشرة، غير أن الرسالة كانت واضحة، البنية التحتية للطاقة هي نقطة الضعف او المنطقة الهشّة في أي مواجهة شاملة. إنّ هذا التهديد دفع طهران للتلويح بالمثل، بينما تحاول إدارة ترامب جاهدة ضبط إيقاع الأسواق ومنع أي تعطل في إمدادات النفط العالمية. لذا فإن المفاوض اللبناني يدرك أن حماية حقوقه في ثرواته البحرية هي جزء لا يتجزأ من أي تسوية قادمة، فالصراع اليوم هو صراع على من يمسك بمفاتيح ممرات الطاقة في شرق المتوسط.

ومن جهة أخرى، بدأت تتسرب ملامح مسارات سياسية غير مسبوقة، تعيد بنا بالذاكرة إلى اتفاقية الهدنة في العام 1949، والتي وفرت استقراراً طويلاً قبل أن تهتز مع اتفاقية القاهرة عام 1969. ويدور الحديث اليوم عن إعلان سياسي قد يتطور لاحقاً إلى اتفاق عدم اعتداء برعاية فرنسية وأمريكية، يتضمن اعترافاً متبادلاً بالسيادة وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً. ورغم النفي الرسمي من بعض الأطراف، مثل وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أو الجانب الفرنسي، غير أن وجود هذه الأطروحات تشير إلى أن البحث عن مخرج سياسي بات ضرورة دولية.

أما ميدانياً، فتبدو الصورة أكثر قتامة، فإسرائيل تنفذ عمليات برية تستهدف توسيع المنطقة العازلة وضرب قدرات حزب الله الصاروخية، فيما تصفه بالدفاع المتقدم. والتحليلات الإسرائيلية اليوم تعترف بما تسميه خطأ 2024، حين وافقت تل أبيب على وقف إطلاق نار سمح للحزب بترميم قدراته، وهي اليوم تريد ضمانات تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية أو جيشها على نزع السلاح، مطالبة بضغوط بنيوية أعمق.

وعلى الصعيد الداخلي، يقف لبنان أمام مشهد سياسي دقيق فرئيس البرلمان نبيه برّي بميله الضمني للمفاوضات ضمن إطار وطني، قد يجد نفسه في موازنة صعبة مع حزب الله إذا ما نضجت هذه المبادرات. غير أن اللافت هو الهدوء الإعلامي النسبي للحزب تجاه فكرة التفاوض حالياً، مقارنة بمواقف سابقة متشددة تجاه أي حديث عن حصر السلاح.

ولازال لبنان اليوم بمكوناته المختلفة يمتلك عناصر القرار التي تتيح له الاختيار بين التصعيد العسكري او الانفتاح السياسي، كما أنّ المعركة الحقيقية لم تعد تكمن في براعة التفاوض، بقدر ما هي قدرة اللبنانيين على التماسك الداخلي، وذلك لمنع تحويل بلدهم إلى ساحة لتصفية الحسابات النفطية والأمنية الكبرى، ولضمان ألا تضيع حقوقه في الأرض والموارد وسط صراع الكبار.