يوم ميلادها
اعتاد أن يقيم كرنفالًا ليوم ميلادها سرًّا، وكلما سار بها العمر، كلما ازداد افتتانًا بها ونسي خطاياها وأخطاءها المتكررة، وباح لنفسه برغبته العارمة تلك في لحظة منفلتة من زمام التحفظ، في معانقة هذا السراب الجميل الذي يتحوّل إلى عيون ماء تتفجر بين يديه كلما أحس بأوار عطشه يتملكه ويفرض عليه رغباته في الارتواء، وعودته إلى نبع قد يكون قد جفَّ أو شحَّ ماؤه، لكنه ما زال ماثلا في الوجدان كما في الأحلام...
فلا هو اليوم الذي التقاها فيه على قارعة الروح، وهو يناجي طيفها الذي ظل يغازله وينسج معه أحلامًا لم تكن بعيدة عن التحقق، كانا يرفلان فيها على عشب القلب، وتنهدات لا تتوقف بلا جسر ولا إطار يحصرها؛ فكانت طليقة طلاقة الشعور المحتبس منذ دهور، حال مرور طيفيهما ببعضهما في كل ساعات النهار وسويعات الليل التي كانت تهرع كي تأتي بنسمات الفجر ثم انبلاج الضوء الأبيض والعالم سكون، يسلم نهارًا لا تغيب فيه الأشواق بل تزداد، كأنهما الموعودان بيوم يتحقق فيه الوعد.
ولا هو اليوم الذي تجسَّدت له فيه ورآها رأي العين حين جمعتهما الصدفة المُرَّتبة، من بعد حلم جرجر أحلامًا وإحباطات في سبيل تحققه، على بساط أعده القدر لهما، وهيأه لهما مكانًا لم يكن في الحسبان، فتألقت زغاريد الفرح من الوجوه المتفتحة بانشقاق الحلم من غلافه الصلب، وتؤكد انصهار الروحين في بوتقة واحدة، وببلوغ الحقيقة المرتجاة للوجود، والتي لم يكن ينقصها سوى أن تستقر القلوب على تلك اللهفة وتلك الرغبة في التشبث بأرض جديدة تجمع جسدين يحملان روحًا واحدةً تفيض كي تغرق العالم بأسره وتحوله إلى بحيرة من عشق غير مشروط.
ولا هو اليوم الذي لامست فيه يداه يديها، وطوَّق خصرها بذراعه؛ فنامت على كتفه قريرة العين تحلم باللا نهاية لا بالتقاط الأنفاس فقط، لتعيش في اللا مكان، وتتنفس هواءً مختلفًا يحمل عبقًا لم يستطع الماضي أن يختزنه بداخلها، ولم يقدر الذهن على تمنيه في لحظات الانفراط، فتحوَّلت في اليوم ذاته إلى جناحين واسعين يحملانها على الطيران بعيدًا، ليحلِّق بها في سماء دهشته وانبهاره بهذا.الألق النائم في زاوية كتفه وعنقه، يتخلل شعرها أنفه، يتشبع بعطره، لتختزنه ذاكرة لا يمسها النسيان، وكأنها تحولت لتمثال عشق لا يبرح مكانه حتى بمعاودة الغياب.
ولا هو أيضًا اليوم الذي ربما جاءت فيه إلى الدنيا، ليحتفل بها في ذكراه كل المتملقين والمنافقين والمنتفعين من حولها ليقتنصوا ضحكة ولو زائفة من عينيها عميقتي الشجن، أو كلمة ثناء من ثغرها الذي توقف عن التمتمة بكلمات الوله والانبهار، واعتاد الصمت مرة أخرى والابتسام غير المشروط، بل يكتفون بوجود باهت تحركه دعوات الكمون والاستسلام لإطار جديد قديم يضعونها فيه كأيقونة حزينة لبائعة الماء المشرفة بدلوها على بئر لا يروي العطش، ولا يبدد القلق في نظرة عينيها التائهتين في لُجَّة تقارن بين ما فات وما كان وما صار وما وقف بينهم كذاكرة مهملة.
ولكنه كلما اطمأن لهاجسه أعلن أيضًا في سره يومًا لميلادها، قد يكون كل يوم، أقام فيه احتفالًا أسطوريًا باندلاعها في روحه مرة أخرى من خلف غمامات الغياب، وأشعل شمعته القديمة غير آمل بأن تنير لها عتمتها مرة أخرى.