عقارات أبوظبي ترسم ملامح العصر الذهبي للاستثمار
أبوظبي - يُعد قطاع العقارات في دولة الإمارات، وفي قلبها العاصمة أبوظبي خصوصا، نموذجاً استثنائياً للتحول من مجرد سوق نشط إلى منظومة استثمارية ناضجة. وتشير البيانات الصادرة عن مركز أبوظبي العقاري لعام 2025 إلى قفزة نوعية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج إستراتيجية متكاملة جعلت من العقار المحرك الأول للتنوع الاقتصادي.
وتجاوز أداء السنة الماضية التوقعات، حيث سجلت التصرفات العقارية 142 مليار درهم، وهو ما يمثل دفعة قوية للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. ووصل عدد المعاملات إلى 42814 معاملة مُحققةً نمواً نسبته 44 بالمئة في قيمة التصرفات، وزيادة بنسبة 52 بالمئة مقارنة بالعام 2024.
وتشير هذه الحصيلة إلى أن السوق لم يكتفِ بالنمو الكمي، بل شهد تحولاً في القيمة السعرية ونوعية الأصول المتداولة، مما يعزز الثقة في العوائد الاستثمارية طويلة الأمد.
ولم تعد أبوظبي مجرد وجهة إقليمية، بل تحولت إلى ملاذ آمن للمستثمرين من القوى الاقتصادية الكبرى، حيث استقطبت أكثر من 100 جنسية تتصدرها روسيا، الصين، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، في وقت تبرز فيه أبوظبي كواحة للاستقرار المالي والقانوني.
ويؤكد إقبال الأجانب على اقتناء العقارات (بإجمالي 54.13 مليار درهم) نجاح سياسة التملك الحر وجاذبية المواقع الإستراتيجية مثل جزيرة ياس وجزيرة السعديات وجزيرة الريم.
وفي قراءته لهذه الأرقام، أكد المهندس راشد العميرة، المدير العام لمركز أبوظبي العقاري (ADREC)، أن هذه النتائج "ليست محض مصادفة"، بل هي نتاج "تشكيل منهجي ومدروس للسوق استناداً إلى أسس الثقة والشفافية".
ويرى العميرة أن السوق العقاري في أبوظبي انتقل من مرحلة جذب رؤوس الأموال إلى مرحلة الاستبقاء والاحتفاظ بها؛ وذلك بفضل المقومات المؤسسية المتطورة. فقد شهد عام 2025 تسجيل 56 مشروعاً جديداً، ونمو عدد رخص مزاولة المهن العقارية بنسبة تقارب 58 بالمئة، مما يضمن وجود بيئة احترافية يديرها أكثر من 3500 متخصص مرخص، وهو ما يرفع من معايير الحوكمة وحماية المستهلك.
وتشير تحليلات إلى أن الأداء الاستثنائي لقطاع العقارات يمهد الطريق لعام 2026 وما بعده، حيث من المتوقع أن يستمر الزخم بفضل الابتكار الرقمي، مثل تقنيات "البروبتك"، والتركيز على العقارات الخضراء. ويمكن القول إن أبوظبي لا تبني أبراجاً فحسب، بل تبني منظومة اقتصادية متكاملة تتسم بالاستدامة والمرونة.
ولم يعد التصميم العقاري في الإمارات مجرد مساحات للسكن، بل تحول إلى امتداد للفن والثقافة. ويتجلى ذلك بوضوح في عدة مشاريع مثل "مساكن اللوفر أبوظبي" (Louvre Abu Dhabi Residences) التي تقدم مفهوماً معمارياً مستوحى من القبة الهندسية للمتحف، حيث تتداخل الإضاءة الطبيعية مع التصاميم الداخلية الفاخرة.
ولعب دخول دور الأزياء والمصممين العالميين إلى قطاع العقار، مثل مشروع "إيلي صعب ووترفرونت"، الذي ينقل لمسات "الهوت كوتور" إلى التصاميم الخارجية والداخلية للأبراج، دورا بارزا في الرفع من القيمة الجمالية والاستثمارية للعقار.
وتتبنى أبوظبي معايير "استدامة" كجزء أصيل من الكود المعماري. وتشمل الملامح الجديدة الواجهات الذكية من ذلك استخدام مواد متطورة في الواجهات (مثل أنظمة التظليل الديناميكية) لتقليل الحرارة وتقنين استهلاك الطاقة.
وتعتمد مشاريع مثل "ذا غروف" و"ريم هيلز" على "التصميم البيوفيلي" (Biophilic Design)، الذي يدمج الغطاء النباتي والمساحات الخضراء داخل الهياكل الخرسانية، مما يعزز الصحة النفسية للسكان ويقلل من الانبعاثات الكربونية.
ويشهد المخطط العمراني لأبوظبي توازناً فريداً، ففي جزيرة الريم والمارية، لا تعد ناطحات السحاب مجرد مبان شاهقة، بل هي "أبراج ذكية" مرتبطة بالكامل بتقنيات إنترنت الأشياء (IoT). كما تركز مشاريع مثل "بلوم ليفينج" و"ياس أكرز" على العمارة الأفقية التي تخلق "مدناً داخل مدينة"، حيث تتوفر كل الخدمات والمرافق ضمن مسافات قصيرة مشياً على الأقدام، وهو ما يعرف بـ "عمارة الـ15 دقيقة".