'مطبخ المدينة'.. يطهى فيه كل أنواع شرور النفس البشرية
لا يمكن للفن أن يكون منفصلا عن الواقع بل على العكس يجب أن يكون انعكاسا له وملتحما معه ينقله بواقعية وحتى لوكان هذا الواقع قبيحا وملوثا ومن هنا تكمن أهمية الفن وخصوصا الفن المرئي كالسينما والتلفزيون وهذا ما كان يؤكده الكاتبان علي وجيه ويامن الحجلي في كل مسلسل تلفزيوني يقومان بكتابته ابتداء من عناية مشددة وصولا إلى "ولاد بديعة".
كانا ينقلان الواقع الذي وصل إليه المجتمع السوري من انحدار دون تجميل، هذا الواقع الذي شوهته سنوات الحرب الأربعة عشر التي مرت بها سوريا منذ بدأ الثورة السورية عام 2011 والنتائج الكارثية التي انعكست على واقع المواطن السوري من اعتقال ولجوء وفقر فكانت أعمالهم تلاقي ترحيبا جماهيريا واسعا لأن الناس ترى نفسها حيث كانت هذه المسلسلات تصور واقعها المزري.
وكانت ذروتها في "ولاد بديعة" الذي اتخذ من مهنة دباغة الجلود ثيمة له وكانت هذه من ميزات أعمال الكاتبين حيث كانا في كل عمل يكتبونه يتخذون من مهنة معينة ثيمة له ففي مسلسل على صفيح ساخن اتخذا من مهنة نابشي القمامة ثيمة بنوا عليها قصتهم وفي مال القبان اتخذا من تجارة الخضار في سوق الهال الدمشقي ثيمة لقصة أبطال العمل وكانوا ملمين بتفاصيل المهن التي تمارسها شخصيات مسلسلاتهم فيقدمون هذه الشخصيات بمصداقية وواقعية كبيرة.
وفي هذا العام انفصل الشريكان الناجحان ليبقى منهم كاتب واحد وهو الكاتب على وجيه الذي واصل النهج نفسه الذي كان يتبعه مع صديقه الفنان يامن الحجلي، وقدم لنا مسلسل جديد بعنوان "مطبخ المدينة" من إخراج الموهوبة رشا شربتجي واتخذ من مهنة تسول الأطفال في الشوارع ثيمة له، مشرحا واقع هذه الطبقة والعصابات التي تترأسها والطريقة التي تدار بها هذه المهنة.
المسلسل اتخذ من مهنة تسول الأطفال في الشوارع ثيمة له مشرحا واقع هذه الطبقة والعصابات التي تترأسها والطريقة التي تدار بها.
رجل أثقله الزمن
يحكي المسلسل قصة طلحت الجمل (عباس النوري) الذي يملك مطعما في قلب دمشق اسمه "مطبخ المدينة" يديره مع أبنائه الثلاثة عبدالكبير (عبدالمنعم عمايري) وشجاع (مكسيم خليل) ورضا (ملهم بشر) تتغير حياته الهانئة الجميلة بعد حدث ضياع ابنته ريما من زوجته الثانية (أمية ملص) بعدما كانت برفقة أخيها عبدالكبير في مدينة الملاهي يوم العيد التي أخذها إليها بعد زيارة الطبيب لأنها استفاقت على ألم في بطنها فتتوفى زوجته من شدة حزنها على طفلتها، ويحقد الأب على ابنه عبدالكبير محملا إياه ذنب ضياع ابنته وأجمل شيء وهبته له الحياة فيقرر نقله من مطبخ المطعم بعد أن كان طباخا رئيسيا فيه إلى نادل داخل المطعم.
وجاء بأخيه شجاع ليصبح الطباخ مكانه لتتصاعد الأحداث وتثقل مصاريف المطعم طلحت فهو ليس ملكه وإنما تسلم إدارته من أصحابه المهاجرين إلى كندا هو والمنزل الذي يقع فوق المطعم حيث يعيش هو وأبنائه بشرط أن يعطيهم نسبة سبعون بالمئة من الأرباح لكن تعقيدات حياته لا تنتهي هنا لأن كل ولد من أولاده له حياته الخاصة التي تسبب له المشاكل خارج أبواب هذا المطعم الأمر الذي لا يرضي طلحت الرجل الشهم الملتزم فعبدالكبير يعمل شاهد زور في المحاكم كي يحصل على المال بقضايا يتسلمها المحامي ابن عمه (خالد القيش).
وشجاع يعمل سارقا بالاشتراك مع عصابة الكف (فادي صبيح) الذي يملك مدينة ملاهي مهجورة ويتزعم عصابة متسولين من الأطفال والمراهقين يقيمون معه في المدينة وهو متزوج من نورا (أمل عرفة) ابنة خالة شجاع الذي يتسبب بمقتل جبار أخو الكف على يد مهرب في طرطوس ويتورط في مأزق كبير بينما رضا الابن الأصغر لطلحت يعمل في إحدى الحانات مقدما لفقرات كوميدية وعلى علاقة غرامية بشابة مدمنة على حبوب الهلوسة وهكذا تتشابك خيوط القصة وتتقاطع مصائر الشخصيات في هذا العمل وتكون الصدمة الكبرى لطلحت حين يكتشف أن زوجة ابنه عبد الكبير (ميسون أبو أسعد) مساعدته في المطبخ تقوم بسرقة المطعم فيواجهها بهذا الشيء كما أنه لا ييأس من البحث عن ابنته ريما بعد مرور اثنتي عشر عاما على ضياعها الأمر الذي يجعله يعطف على الأطفال المتسولين وتقديم الطعام لهم يوميا عله يجدها بينهم.
نص محكم وأداء متقن وإخراج متميز
كعادة نصوص الكاتب علي وجيه كان النص متماسكاً تتصاعد فيه الأحداث تدريجيا مقدما شخصياته بعناية شديدة واهتمام فائق كعادته وعنصر التشويق حاضر في كل حلقة بينما كان إخراج رشا شربتجي مميزا حيث قدمت هذه البيئة بعين الخبيرة هي المخرجة الموهوبة التي قدمت أعمالا لا تنسى كانت ذروتها في مسلسل "ولاد بديعة" فكان الاهتمام بالديكور والألوان واختيار الأمكنة المناسبة وإدارة الممثلين متكاملا وتوزيع الأدوار موفقا فأدى كل ممثل دوره باحترافية تحت إدارتها وخصوصا عبدالمنعم عمايري بدور عبدالكبير وأمل عرفة في دور نورا فكان عملا مميزا يستحق المتابعة ويضاف إلى رصيد صناعه.


