سهرة العيد تزهو بأنغام العيطة في الرباط
الرباط ـ يستعد الفنان فرحان حجيب لإحياء سهرة فنية خاصة بمناسبة عيد الفطر، حيث يلتقي بجمهور غناء العيطة على خشبة مسرح محمد الخامس يوم 21 مارس/آذار 2026 بمدينة الرباط، في موعد فني يراهن على إعادة الاعتبار لأحد أعرق الفنون الشعبية المغربية، واستحضار عمق الذاكرة الجماعية التي تختزنها الأغنية التقليدية.
ويأتي هذا الحفل في سياق متجدد يعرفه فن العيطة، ذلك اللون الغنائي الذي لم يكن في يوم من الأيام مجرد وسيلة للترفيه، بل شكل عبر التاريخ وسيلة تعبير قوية، وأداة رمزية للمقاومة. فقد كان شيوخ العيطة بمثابة "جنود بلا بنادق"، يحملون الكلمة والنغمة كسلاح، يصيبون به الوجدان قبل العقول، وينقلون من خلاله رسائل مشفرة خلال فترات الاستعمار، مما جعل هذا الفن جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الكفاح الوطني المغربي.
والعيطة، في جوهرها، ليست فقط غناء، بل هي شعر شفهي حي، يتغذى من نبض المجتمع، ويتفاعل مع تحولات الواقع. وهي نص مفتوح، لم يخضع في معظمه للتدوين أو التوثيق الرسمي، الأمر الذي جعله عرضة للتحوير والتغيير عبر الزمن. ويقوم هذا الفن على الارتجال، حيث يضيف "الشيخ" أو "الشيخة" من تجاربهما الذاتية، ويطعّمان النص بما يعكس هموم الناس وأفراحهم، ما يجعل كل أداء بمثابة إعادة خلق للنص الأصلي. ولهذا السبب، يصعب تحديد المؤلفين الحقيقيين للعيوط المتداولة، إذ تظل ملكاً جماعياً للذاكرة الشعبية.
ومن بين أبرز أنماط هذا الفن، تبرز "العيطة المرساوية" التي ارتبطت بمناطق السهول الأطلسية الخصبة، خاصة الشاوية ودكالة، حيث ازدهرت في بيئة فلاحية غنية.
وقد انعكست هذه البيئة على مضامينها، فحملت نصوصها صورا عن الفروسية، والجمال، والعلاقات الإنسانية، إضافة إلى وصف الطبيعة ومباهج الحياة اليومية. وامتد انتشار هذا النمط في مناطق واسعة تشمل الدار البيضاء والمحمدية والجديدة وسطات، وغيرها من الحواضر والبوادي التي شكلت حاضنة حقيقية لهذا الفن.
وقد عرفت العيطة المرساوية، عبر تاريخها، أجيالا متعاقبة من الشيوخ الذين ساهموا في ترسيخ قواعدها وتطويرها. فمن الرعيل الأول برزت أسماء مثل الصاحب بلمعطي وبوشعيب البيضاوي وعلال كرامش، الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا اللون. ثم جاء الرعيل الثاني، الذي حمل المشعل ووسّع دائرة الانتشار، قبل أن يظهر جيل ثالث من الفنانين الذين حاولوا التوفيق بين الأصالة ومتطلبات العصر، ومن بينهم عبد العزيز الستاتي وفرحان حجيب.
وهناك العيطة الحصباوية التي تُعد من أبرز التعبيرات الغنائية الشعبية المغربية التي ارتبطت بمنطقة عبدة وآسفي، إذ مثلت لعقود طويلة مرآةً للذاكرة الجماعية ووعاءً لحكايات الناس وقصصهم ومشاعرهم، فهي أغنية تنقل القيم والعلاقات وتُرسّخ الهوية المحلية.
وتنتشر العيطة الجبلية في شمال المغرب، وتتميز بنبرة غنائية مختلفة وإيقاع أكثر هدوءا، أما العيطة الحوزية فترتبط بمنطقة الحوز ومراكش، وتعرف بنصوصها الشعرية الغنية والرمزية.
ولعبت المجموعات الغنائية دورا مهما في نشر العيطة، حيث أعادت تقديمها في قالب جماعي حديث، مثل مجموعة ناس الغيوان التي تأثرت بروح التراث الشعبي، ومجموعات أخرى ساهمت في إدماج العيطة ضمن الأوركسترا العصرية، ما ساعد على تقريبها من جمهور أوسع.
ولا يمكن الحديث عن العيطة دون استحضار الدور المحوري للمرأة، التي جسدته الشيخة" كفنانة ومبدعة وناقلة للتراث. فقد كانت الشيخات حافظات للطبوع والإيقاعات، ومساهمات في صياغة النصوص، بل وفاعلات في الحياة الاجتماعية والسياسية. ومن أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في هذا المجال الحاجة الحمداوية وفاطنة بنت الحسين، اللتان ساهمتا في إيصال هذا الفن إلى جمهور واسع داخل المغرب وخارجه.
غير أن هذا التراث الغني لم يسلم من مظاهر التشويه، خاصة في العقود الأخيرة، حيث ظهرت فئات توظف العيطة لأغراض تجارية بحتة، عبر إدخال كلمات سوقية ومضامين مبتذلة، لا تمت بصلة إلى روح هذا الفن. وقد أدى هذا الانحراف إلى تفريغ العيطة من بعدها الجمالي والرمزي، وتحويلها إلى مجرد وسيلة للترفيه السطحي، بل وأحياناً إلى منتج يروّج في فضاءات تفتقر إلى الحد الأدنى من الذوق الفني.
وفي هذا السياق، تثير بعض الممارسات الفنية الجدل، خصوصاً تلك التي تقدم عروضاً تعتمد على الإيحاءات الجسدية والكلمات الماجنة، في ابتعاد واضح عن القيم التي تأسست عليها العيطة. وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا الفن، وسبل حمايته من التبخيس والتشويه، خاصة في ظل غياب إطار قانوني يحمي نصوصه الأصلية ويضمن صون هويته.
ورغم هذه التحديات، لا يزال فن العيطة يحتفظ بمكانته في الوجدان المغربي، بفضل جهود فنانين مخلصين يسعون إلى الحفاظ على أصالته، وفي مقدمتهم فرحان حجيب، الذي استطاع أن يقدم نموذجاً فنياً متوازناً، يجمع بين احترام التراث والانفتاح على التجديد.
وتكتسي السهرات الفنية التي يحتضنها مسرح محمد الخامس أهمية خاصة، إذ تساهم في إعادة الاعتبار لهذا الفن، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشاف غناه وتنوعه. كما تشكل هذه المبادرات خطوة نحو إعادة ربط الأجيال الجديدة بتراثها الثقافي، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتنافس فيه الأنماط الفنية الحديثة.


