'شارع الأعشى' بين الغرام والملل

غياب 'أصوات العقل' في الجزء الثالث من المسلسل السعودي قد يهوي بالعمل في فوضى العواطف ما لم يتم تداركه ببدائل درامية قوية.

وجدت الدراما السعودية، خلال السنوات القليلة الماضية، طريقها إلى الجمهور العربي بعد عقود من الغياب، وبدا مسلسل "شارع الأعشى" المعروض على قناة MBC1 كما لو أنه يعلن بداية مرحلة أكثر تمرّدًا وانفتاحًا في الدراما السعودية، ويضع بصمتها الإبداعية وسط زخم الأعمال العربية في شهر رمضان.

المسلسل مقتبس من رواية "غراميات شارع الأعشى" للكاتبة بدرية البشر (2013). ورغم أن العمل يصوّر، نظريًا، حيّ المنفوحة التاريخي في الرياض خلال سبعينيات القرن الماضي، فإنه بدا على الشاشة أقرب إلى سلسلة من قصص الحب الممنوعة لفتيات يعانين فراغًا عاطفيًا، ويستسلمن لإغواء مشاعرهن، ما جعل المسلسل مفعمًا بحكايات الغرام إلى حدّ المبالغة.

عند عرض جزئه الأول، واجه العمل انتقادات لاذعة؛ إذ رأى بعض المشاهدين والنقاد أنه ليس سوى نسخة سعودية من دراما تركية بطيئة الإيقاع، تكرر قصص حب تفتقر إلى العمق والاتزان.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المسلسل قدّم شخصيات لافتة، ونجح في نسج دراما اجتماعية جريئة اقتربت من موضوعات حساسة، وطرح أسئلة مهمة حول المجتمع السعودي في سبعينيات القرن الماضي، وكيف قيدت تقاليده حياة كثيرين. كما سلّط الضوء على أهمية الحوار والتفاهم في حل النزاعات، وأظهر قدرة الأفراد على التغيّر والنضج مع الزمن.

أثار "شارع الأعشى" موضوعات شائكة، خصوصًا ما يتعلق بالمرأة السعودية، التي بدت أكثر ثقة في أداء أدوارها، وأكثر قدرة على التعبير عن طموحاتها الفنية، كاشفة عن مشاعر دفينة لا يمكن لصفحات رواية وحدها احتواؤها.

وبجرأته الاجتماعية، بدا المسلسل أشبه بلوح زجاجي محدّب مشت عليه بطلاته بإرادة جامحة، وخضن صراعًا مع الممنوعات والمسلمات في مجتمع محافظ.

ومع نهاية موسمه الثاني، حظي "شارع الأعشى" بإشادة واسعة وتكريمات عدة، بوصفه عملًا طموحًا وجريئًا. وهذا يؤكد أن الأعمال الدرامية المتميزة تحتاج وقتًا لتبلغ مرحلة النضج الفني، إضافة إلى مجموعة ركائز أساسية تضمن تماسكها وقدرتها على التأثير، أبرزها:

حبكة محكمة تتصاعد منطقيًا بعيدًا عن الترهل، وشخصيات متعددة الأبعاد تعكس صراعات داخلية حقيقية، وإيقاع متوازن لا يبعث على الملل ولا يفقد العمل عمقه، وحوار ذكي يخدم القصة دون مباشرة أو افتعال. أما القدرة على ملامسة الواقع مع تقديم رؤية فنية خاصة، فهي ما يمنح العمل صدقه وقيمته، ويجعله عالقًا في ذاكرة الجمهور.

ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل كانت الشخصيات التي مثّلت صوت الحكمة والتوازن في "شارع الأعشى" تستحق نهاية أفضل من الموت؟ سؤال سيظل يشغل المشاهدين.

أما بالنسبة لي، فإن تنفيذ جزء ثالث متقن من حيث الحبكة والتفاصيل لهذا العمل المليء بالغرام والصراع والانتقام، لا ينبغي أن يكون مجرد أفكار متسرعة تُصاغ على عجل، بل مشروعًا دراميًا يُبنى بعناية ووعي.

ولا شك أن غياب الشخصيات التي أدّت دور "صوت العقل" مثل وضحى وأبو إبراهيم قد يشكل نقطة تحوّل حاسمة في بنية الخيط الدرامي؛ فقد كانت هذه الشخصيات توازن فوضى العواطف والانفعالات. ومع اختفائها، قد يصبح الجزء الثالث أكثر فوضوية، وربما أقرب إلى الانزلاق نحو التطرف في القرارات والسلوكيات، ما قد يضعف مصداقية الأحداث إذا لم يُعالج ببدائل درامية قوية.

ومع ذلك، يمكن للجزء الثالث أن ينجح رغم هذا الغياب، بشرط إعادة توزيع هذا الدور على شخصيات جديدة، أو تطوير الشخصيات القائمة لتكتسب نضجًا يسمح لها بحمل هذا الصوت. أما إذا بقي الفراغ دون تعويض، فقد يفقد العمل أحد أهم عناصر توازنه، ويتحوّل إلى سلسلة من الحكايات والانفعالات غير المنضبطة.