مشاكل الدراما المصرية المختصرة

المنصات تلجأ إلى فكرة الاختصار تماشيا مع ما يتردد حول مزاج الجمهور المتقلب، وتوافقا مع رغبة شريحة لا تستطيع رؤية العمل الطويل زمنيا.

طرقت الدراما المصرية بابا جديدا على المنصات الإلكترونية، يتمثل في اختصار المسلسلات التي عرضت على بعض الشاشات العربية مؤخرا. العمل الذي تصل حلقاته إلى 30 حلقة يمكن تقديمه في ثلاث ساعات. العمل المكون من 15 حلقة يعرض في نحو ساعتين. وبدأ هذا الاتجاه يحظى بمتابعة كبيرة من جمهور، يشعر الآن وكأنه يشاهد عرضا لفيلم سينمائي وهو جالس على أريكته بالمنزل. 

هذا التوجه مفيد في التعرف على ملامح العمل والالمام بالكثير من جوانبه الدرامية. يستقطب جيلا جديدا من الشباب غير قادر على متابعة الأعمال الملحمية المكونة من أجزاء عدة. يرضي غرور هؤلاء في التعرف على قبس من أي مسلسل دون أن يتسمر أمام الشاشة ساعات طويلة. ويستهلك وقتا في ما يعتقد أنه لا يمثل فائد كبيرة. يتناسب مع ما يعرف بثقافة "تيك أواي" التي تشبه الوجبات السريعة، وأصبحت من سمات العصر الحالي، وتخطت حدود الأكل ووصلت إلى مستوى المشاهدة.

من يراجع الأعمال التي عرضت في موسم رمضان المنصرم يجد أن ظاهرة الأعمال المختصرة لا تقتصر على منصة "واتش ات" المصرية، تتجاوزها لمنصات خليجية، مثل "شاهد" و"يانجو بلاي" وغيرهما. إذا الأمر تحول إلى تقليد فني لا يستثني أحدا. بات في غضون وقت قصير عرفا يتم تقليده. يتنقل بين المنصات ويرحل من عمل إلى آخر. دليل على وجود اقبال جماهيري وأن هذه الطريقة وجدت رواجا ملحوظا.

يمكن أن يستمتع المشاهد برؤية مسلسل "أولاد الراعي" بطولة ماجد المصري ونرمين الفقي، ويتكون من 30 حلقة بما لا يتجاوز زمن أربع حلقات. ويمكن اقتناعه بأن مسلسل "علي كلاي" بطولة أحمد العوضي ويارا السكري من الضروري مشاهدته بشكل مكثف وفي وقت مماثل. كلاهما دخل في مرحلة من الاطالة الزمنية التي أفقدتهما الكثير من الجوانب الفنية المطلوبة عند المتابعة. 

يبدو أن القائمين على العملين لم يشعرا أن القماشة الفنية التي نسجت لهما تستحق هذا العدد الكبير من الحلقات. لم تكن الحلقات الثلاثون موفقة في التغطية على ضعف القصة والحوار وأداء عدد كبير من الممثلين. بل زادت العمل تعقيدا، وخسر جزءا من متابعيه على الفضائيات، ولم يتمكن من التعويض عندما جرى عرضه مختصرا. إذ بدا الاختصار مخلا، وأخفق صناع العمل في توصيل رسالتهم بصورة صحيحة.

في مسلسل "عين سحرية" المكون من 15 حلقة، بطولة باسم سمرة وعصام عمر، جرى اختصاره في حوالي ساعتين تقريبا، لم يتمكن المشاهد من متابعة الكثير من تفاصيله المهمة والدقيقة. إذ استوفى العمل كل المعايير الفنية، وكان مخرجه السوري السدير مسعود على درجة عالية من الحرفية والاتقان بشكل لم يترك مساحة لاطالة أو حشو بعض المشاهد واقحامها بلا دواعي درامية. بدت مشاهدته في صورة مختصرة غير جيدة. ليس لوجود عيب في من تولى المهمة، بل لأن العمل في صورته الأصلية كان مكتملا. لا يحتاج إلى تهذيب للتخلص من شوائب فنية يمكن تجاوزها.

تلجأ المنصات إلى فكرة الاختصار تماشيا مع ما يتردد حول مزاج الجمهور المتقلب وتوافقا مع رغبة شريحة لا تستطيع رؤية العمل الطويل زمنيا. قد يكون هذا التصور منطقيا لدى البعض، لكن من المهم أن لا يأتي على حساب الجودة والمتعة. الموضة السائدة الآن هي تقديم أعمال خفيفة وسريعة تلبي رغبات فئة من الجمهور تريد معرفة شيء عن كل شيء وليس معرفة كل شيء عن أي شيء. هذا توجه مفهوم دوافعه حاليا. ولا يجب الانسياق وراء الرغبات التجارية على حساب متانة العمل الفني.

يمكن المقارنة بين عملين قدمهما الفنان محمد فراج مؤخرا. هما "كتالوج" و"أب ولكن". كلاهما عرض كاملا في فضائيات مصرية وعبر منصات أجنبية. الأول في 8 حلقات والثاني في 15 حلقة. مدة الاختصار تقريبا متشابهة نحو ساعتين ونصف. يتخطى الفرق بينهما المدة الزمنية الأصلية والمختصرة. حيث تتحكم الفكرة- القصة في معرفة مدى جاذبية العمل من عدمه. 

يشعر من شاهد أداء الفنان محمد فراج في العملين أنه أمام شخصين مختلفين. أحدهما أبدع دراميا والآخر أخفق فنيا. السبب هو النص والسيناريو والإخراج. كلها من العوامل الأساسية لنجاح أي عمل. توافرها يعزز حضوره وغيابها يشير إلى خلل فاضح. ما يعني أن الاختصار قد يكون مخلا ولن يصلح عملا معطوبا.

يمثل اللجوء إلى اختصار الأعمال الدرامية حلا سحريا لزيادة نسبة المشاهدة. يعتقد القائمون عليه أنه يمضي في طريق مواز لما يسمى بـ"الميكرودراما" التي زاد شيوعها على مواقع التواصل الاجتماعي. وتقوم على تقديم عمل فني متكامل في مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز خمس دقائق. أو على الأقل محاولة جادة للاقتراب منها وهو خطأ شائع، لأن فلسفة الميكرودراما تقوم على الاختصار الشديد. تقدم من البداية على أساس موجز. تراعي الجوانب الفنية وحضورها. الاختصار لا يعني إلغاء أي بعد فني. 

يستعين البعض لتأكيد الاختصار كعمل مضن بمقولة نسبت إلى الزعيم السياسي المصري الراحل سعد زغلول عندما كتب رسالة لأحد أصدقائه في المهجر ذيلها بعبارة "اعذرني على الاطالة فليس لدى وقت للاختصار".

يحتاج الاختصار وقتا كافيا لتلبية الحاجة إلى تقديم الرؤية خالية من التشويه في المضمون اللغوي وبعيدة عن التشويش الفني، إذا كان العمل دراميا. هي عملية صعبة تتطلب تأنيا ودقة ودراية بطبيعة النص وهدفه. 

يلجأ كل مسلسل إلى الاختصار الزمني بعيدا عن دوافعه الفنية وأغراضه التجارية والرغبة في مزيد من الانتشار وسد حاجة قطاع من الجمهور، من الواجب أن تتضافر في من يقوم بهذه المهمة ملكات تساعده على أداء المهمة على أكمل وجه. لأنها في النهاية تندرج في إطار العمل الفني والسياقات الدرامية التي يحملها، ليشعر المشاهد بألفة وعدم اغتراب عند مشاهدته المسلسل مرتين. مرة مكتملا وأخرى مختصرا. تكفي المقارنة بينهما لمعرفة أوجه النقص. تصبح المسألة صعبة عندما يضع المشاهد يديه على فجوات لم يتمكن ما قاموا بالاختصار من مداراتها.

من السهل الحديث عن المشاكل التي يحملها اختصار الدراما المصرية أملا في تلاشيها مستقبلا. من الصعب تقبل تكرارها. كل عمل فني يمكن تلخيصه وتقديمه في وقت زمني قصير. الاختصار لن يستطيع إخفاء العيوب الفنية الجوهرية، فما بالنا بإصلاحها. بالتالي من الواجب أن تنحصر المهمة في بعض الأعمال فقط. يتم اللجوء إلى انتقاء المسلسلات التي تستحق التقديم بصورة مختصرة. يؤدي التعميم بحجة مسايرة الموضة إلى ظلم الدراما المصرية التي قطعت شوطا في استرداد مكانتها من خلال تقديم أعمال نوعية، تناولت قضايا مختلفة تمس وجدان المجتمع.