تنمية سيناء للدفاع عن الأمن القومي
القاهرة- لم يكن الاحتفال المصري بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء يوم السبت صامتا أو قاصرا على الكرنفالات تصاحب اليوم الذي عادت فيه شبه جزيرة سيناء إلى حضن الدولة عقب انسحاب إسرائيل منها بموجب اتفاقية سلام وقعتها مع مصر.
كان احتفالا بتدشين عدد من المصانع في المنطقة الاقتصادية بشرق قناة السويس القريبة من سيناء ووعدا أن تصبح التنمية سلاحا في الدفاع عن الأمن القومي.
تواترت معلومات حول اكتمال عدد من المشروعات التنموية الواعدة في سيناء بينها خط سكك حديدية يربط شمالها على البحر المتوسط بجونبها على البحر الأحمر، وتطوير شبكة الموانيء البحرية فيهما: ضخ المزيد من الأموال لمضاعفة الاستثمارات الأجنبية في مشروعات متنوعة وجذب الملايين من المواطنين للتموضع في هذه المنطقة النائية بعد أن وصل عدد الأنفاق أسفل ممر قناة السويس إلى ستة أنفاق بدلا من نفق واحد، ما يدعم سهولة ربط وادي النيل والدلتا بمنطقة سيناء النائية واختصار مسافات التنقل إلى أقل معدل ممكن وإزالة الحواجز التي كانت سببا في خفض اقبال شريحة من المصريين على العيش والاستقرار في سيناء.
تسير عملية التنمية في سيناء بالتوازي مع عدم اهمال القدرات القتالية. هناك اعتقاد جازم لدى المؤسسة العسكرية المصرية أن هذه البقعة سوف تظل ساحة للصراع مع إسرائيل، على الرغم من توقيع اتفاقية السلام.
أكدت الحرب على قطاع غزة أهمية الجاهزية الميدانية في منع تنفيذ خطة تهجير آلاف من الفلسطينيين إلى سيناء، التي لم يخفها قادة إسرائيل في خطابهم السياسي وتحدثوا عنها علنا أكثر من مرة.
بدأت التحركات المصرية في سيناء تثير غضبا في بعض الأوساط الإسرائيلية المتشككة في نوايا القاهرة. نقلت وسائل إعلام عبرية الكثير من رسائل الرفض للكثافة العسكرية وتدفق أنواع عديدة من المعدات القتالية التي لا تتناسب مع محتويات اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما قابلته القاهرة بتجاهل أحيانا، والرد عليه عبر مصادر شبه رسمية قالت إن جزءا من التغيرات الأمنية تم وفقا لتفاهمات مع إسرائيل عندما خاضت مصر حربا ضارية ضد إرهابيين ومتطرفين في سيناء منذ حوالي عشر سنوات.
والجزء الآخر يتناسب مع عدم التزام إسرائيل نفسها ببنود اتفاقية السلام التي رعتها الولايات المتحدة منذ نحو سبعة وأربعين عاما، عقب قيامها بنشر معدات عسكرية ثقيلة في ممر صلاح الدين (فيلادلفيا) وبالقرب من الحدود المصرية في رفح بجنوب غزة. أي أن ما تعتبره إسرائيل خرقا في سيناء جاء كرد فعل يتواءم مع قامت به من خروقات سابقة في غزة، وصد عملي لمحاولاتها الحثيثة للتهجير.
انتبهت الحكومة المصرية إلى الأهمية الاستراتيجية لتوزيع مشروعات التنمية على سيناء وتحفيز الاستثمار فيها، وتشييد بنية تحتية تتسق مع الأهداف الجديدة لهذه المنطقة.
في خضم انشغال إسرائيل برسم خرائطها لإعادة هندسة إقليم الشرق الأوسط بما يلبي طموحاتها، كانت القاهرة منشغلة بتعمير سيناء كنوع من الدفاع عن الأمن القومي للدولة. الخطط التي شرعت إسرائيل في تنفيذها تضع سيناء في بؤرتها، سواء من ناحية إجبار مصر على تقبل سيناريو تهجير الفلسطينيين قسريا، أو من جهة تعطيل مشروعات التنمية، بحسبانها منطقة مفتوحة ومرشحة لتجدد الصراع عليها.
تتعامل مصر مع المشروعات التنموية في سيناء على أنها أداة لفرملة التهجير ووقف طموحات إسرائيل في التمدد. يخلق توسيع نطاق الاستثمار وزرع سيناء بالحجر والبشر بيئة جيدة لدحض خطاب الاستفادة منها، بزعم أنها منطقة صحراوية مهملة وشبه خالية من السكان، ومغرية للاعتداء عليها في أي لحظة.
كما أن تعميرها وإنشاء بنية تحتية متكاملة كفيل بجذب دول عدة تريد توطين صناعاتها وتوظيف الموقع الجغرافي المتميز لسيناء في الربط بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
يحمل هذا الاتجاه عنصرين مهمين يصبان في صالح مصر، الأول: يتعلق بدخول قوى إقليمية ودولية مجال الاستثمار في سيناء وما يؤدي إليه من دفاع عن المصالح الاقتصادية، حال الاعتداء من أي طرف.
أصبح مفهوم الأمن القومي مرتبطا بشبكة التحالفات الخارجية التي لم تعد قاصرة على المكونات العسكرية والسياسية. الاقتصاد أحد العناصر المحركة لعصب الحياة ويستوجب الدفاع عنه وحمايته بوسائل متباينة. ما يسهم بدور معتبر في الحفاظ على الأمن القومي والبعد عن المساس به مباشرة.
العنصر الثاني: يخص التفكير في قطع شرايين الطرق البديلة لقناة السويس كممر دولي حيوي في مجال التجارة الدولية. فكرت مصر في تعظيم الأهمية الجغرافية لسيناء وعدم حصرها كمنطقة دارت ويمكن أن تدور على أراضيها صراعات. أخذت المبادرة في تجفيف منابع الإرهاب، وتحملت الكثير من الخسائر في سبيل تحقيق هذا الهدف. ضاعفت المشروعات التنموية، شجعت المستثمرين على ضخ أموال غزيرة وتوفير الحماية اللازمة لها، حثت فئة واسعة من المواطنين على الهجرة إلى سيناء.
جرى منح المنطقة الصناعة في شرق قناة السويس أهمية قصوى وجذبت إليها الصين وروسيا وألمانيا وإيطاليا ودول أخرى لتوطين بعض الصناعات الثقيلة تمهيدا لتحويلها إلى مقر لتجارة الترانزيت في المستقبل القريب.
في ظل ما تواجهه هذه التجارة من تحديات في مناطقها التقليدية بعد الحرب الإيرانية التي يمكن أن تلعب نتائجها دورا في حدوث تحول لبعض المعادلات في المنطقة.
بعد غلق مضيق هرمز بدأ التفكير في تمديد خطوط نقل الغاز والنفط من الخليج العربي إلى مصر من خلال سيناء، ومنها إلى أوروبا، ما يعزز القناعات بأن الطرق البديلة التي تراهن عليها إسرائيل قد تتعرض للخطر بسبب التوترات الإقليمية، ورغبتها التوسعية وعدم توافر الحد الأدنى من الأمن والاستقرار مع جيرانها.
جاء السعي نحو تغيير مهمة الأمن القومي من الشق العسكري المتعارف عليه إلى التنموي من واقع تقديرات مصرية ذهبت إلى تبدل شكل الحروب في المستقبل. لم يعد امتلاك أكبر حاملة طائرات وأعظم فرقاطة وأكثر غواصة عمقا هو المحدد الرئيسي الوحيد في حسم المعارك.
الحروب السيبرانية، دخول الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، الاستفادة من الوسائل التكنولوجية الدقيقة، ورفع مستوى المصالح الاقتصادية المتشابكة، من العوامل الرئيسية في كسب أو خسارة الصراعات، ما جعل تنمية سيناء على قاعدة عصرية في جوهر الدفاع عن الأمن القومي المصري.