الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الخليجي

قمة جدة وضعت يدها على بعض الجروح في ما يتعلق بتطوير أسس وآليات التعاون المشترك ومجابهة المستجدات والصعوبات.

كشفت مخرجات قمة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم الثلاثاء عن حاجة ملحة لإعادة ترتيب البيت الخليجي من الداخل والخارج بما يتماشى مع النتائج المتوقع أن تخلفها الحرب الإيرانية على دول المنطقة.

تكرر هذا المطلب في مناسبات عدة وقمم سابقة، إلا أن هذه المرة التحديات أكبر قسوة والتداعيات المنتظرة دراماتيكية بشأن العلاقات البينية والإقليمية والدولية بعد أن كشفت مؤشرات الحرب عن رغبات متباينة في التطلعات وهوة واسعة في الطموحات.

وضعت قمة جدة يدها على بعض الجروح في ما يتعلق بتطوير أسس وآليات التعاون المشترك ومجابهة المستجدات والصعوبات. أشارت إلى عناوين للأهداف المرجو الوصول إليها، وسبل تحاشي الأخطاء. تركت الكثير من التفاصيل لمزيد من المشاورات لحين انتظار الحصيلة النهائية للحرب الإيرانية. لا يزال الموقف من حسمها حربا أم سلما مجهولا. تعمدت الولايات المتحدة خلق مساحة رمادية، ما يؤثر على الطريق الذي سوف تسلكه دول مجلس التعاون الخليجي.

ليس خافيا وجود حساسيات مزمنة أو مؤقتة بين دول مجلس التعاون. رؤى متصادمة حول المستقبل، تباعد في شكل التحالفات الإقليمية والدولية. حاولت قمة جدة تجاوزها والنأي عن الوقوف عندها على أمل أن تتكفل الأيام المقبلة بردم الشروخ وعدم السماح بزيادة رقعتها خليجيا.

إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة في يوم انعقاد قمة جدة عن خروجها من منظمتي أوبك وأوبك+، أوحى أن العلاقات البينية، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، طرأت عليها تحولات تستلزم ترتيب المنظومة الخليجية على قواعد مغايرة.

في ظل هذه الأجواء من الصعب أن تتشكل المنظومة الجديدة بصورة تقوم على التفاهم والتناغم والانسجام الذي ساد السنوات الماضية أو على الأقل الاحتفاظ بالحد الأدنى من تجنب الدخول في خلافات جوهرية تعصف بميراث طويل من التعاون.

حاولت جهات عديدة تخريب المجلس وافشال تجربته. حال الحرص المتبادل على عدم تفكيك مجلس التعاون في خضم صراعات متفرقة دون اهتزاز بنيانه الصلب. تم منع تسلل سيناريوهات خارجية أرادت العصف بمنجزاته في مراحل كانت فيها منطقة الخليج تعيش على فوهة زلزال عسكري بين العراق وإيران.

لم تنته توابع الزلزال مع توقف الحرب بين بغداد وطهران. ازداد الحديث عن ترتيبات أمنية متنوعة. علا صوت التحالفات مع دول غربية إلى أن استقرت المنطقة على شكل أمني شبه جماعي بشأن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة.

تتجه الحقبة الخليجية - الأميركية إلى إعادة النظر فيها بشكل فردي أو جماعي. ارتفعت أصوات معروفة بتحفظاتها الإقليمية إلى الضجر من المعادلة التي سادت طوال العقود الماضية.

وجهت انتقادات لواشنطن واتهمت بعدم قيامها بالدور المطلوب للحفاظ على أمن دول الخليج. جرى تسريب ملامح من مسودات تميل إلى العصف بالترتيبات التي سادت قبيل الحرب الإيرانية، لا علاقة مباشرة بما تطالب به طهران من إخلاء المنطقة من القواعد العسكرية في المنطقة على صلة بتقديرات جديدة تساور دولها.

مهما كان شكل الترتيبات من الواجب الحفاظ على الأعمدة الرئيسية لدول مجلس التعاون الخليجي. يقود التخلي عن الجسم المركزي للمجلس إلى تفسخ لن تجني جميع دوله ثمارا جيدة.

سوف تظهر معالم تدهور وتفكك وتشرذم، وربما صراعات، تتسبب في عدم جدوى المجلس برمته، الذي تحافظ القواسم المشتركة بين دوله على حد مناسب من التفاهم في إطار واسع من المصالح الاستراتيجية التي حتما تتأثر بأي توجهات مستقلة أو ترتيبات فردية لا تتسق مع خصوصية الحالة الخليجية.

يعلم المراقبون أن ما تمر به منطقة الخليج يختلف عن كل ما عرفته من تطورات في العقود المنصرمة، يتطلب التعامل معه شكلا جماعيا. الفردية والرغبة في تبني مواقف مستقلة كفيلة أن تؤدي إلى تفسخ مجلس قام على التماسك والتعاون ومجابهة التحديات بصورة مشتركة، ما ساعد على استمراره نحو خمسة وأربعين عاما واجه فيها عواصف إقليمية وتصدى لتصورات خارجية أرادت السيطرة على ثرواته الطبيعية.

كان التلاحم من الثوابت والمحددات التي أبعدت مجلس التعاون عن نفق مظلم تمنته قوى إقليمية عدة له. تظل فكرة التلاحم أحد السمات الجوهرية التي تستطيع الوقوف أمام ما يراد لمنطقة الخليج من سيناريوهات تقف ضد مصالح دوله.

تحتاج عملية ترتيب البيت الخليجي رؤية المعطيات الجديدة بقدر عال من الحكمة والواقعية. الرومانسية السياسية في التعويل على جهات تم اختبارها وفشلت أو الركون إلى قوى لها أطماع خفية في المنطقة، لن يوفر الأمن لدول الخليج. يوفر كلاهما فرصة لزيادة التدافع على المنطقة بشكل أكثر تصعيدا.

ولا يعني وجود خلافات في تفاصيل بعض القضايا أن التوافق صعب أو التسليم بتصرفات بعيدة عن المألوف، وسط أزمة حادة بين ثلاث دول خليجية هي: السعودية والإمارات والبحرين (ومعهم مصر) وبين قطر قبل نحو تسع سنوات، لم يتأثر كثيرا أداء مجلس التعاون. مضى العمل داخله بالوتيرة ذاتها، باستثناء مكايدات لم يتسن لها التأثير على فعالياته المعتادة.

تستطيع دول الخليج ضخ دماء في البنية الجماعية إذا كانت هناك مكاشفة بطبيعة الخلافات. مصداقية في تحديد القضايا غير المتفق عليها واحترام التوجهات الخاصة بكل دول من دون أن تصطحب معها انعكاسات على الشكل العام للتعاون.

إذا كان الملف الأمني وروافده الإقليمية والدولية أحد أبرز العناصر الخلافية، لن يؤدي حله فرديا إلى حماية أي دولة، ربما يتسبب في ظهور تصورات صراعية متشابكة. تقريب المسافات مهمة عاجلة على جميع الدول المشاركة في تسويتها سياسيا قبل استفحالها أمنيا. إيران قد تخرج أشد قوة وتربصا بالمنطقة من خلال تجربتها مع الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة وإسرائيل ودفعتها لاستهداف دول الخليج.

يحتاج الأمر إلى حوارات شفافة وعميقة داخل مجلس التعاون لتتمكن دوله من مواجهة شبح خيار "تعملق" إيران. السعي نحو وضع خطط بديلة والإجابة على السؤال الدقيق الذي يتردد همسا حاليا، ربما يظهر للعلن ويحظى بنقاش مستفيض قريبا وهو يتعلق بترتيبات دول الخليج العربي إذا قررت الولايات المتحدة إخلاء قواعدها العسكرية في المنطقة، وتمركز جزء كبير منها داخل إسرائيل.

لا توجد إجابات محددة حاليا، لكن دول الخليج بحاجة إلى الاستعداد لمثل هذه الأسئلة الحرجة كأحد الخيارات المطروحة ومن الضروري التفكير فيها بجدية.

ينسجم السؤال أيضا مع إرهاصات تململ غير معلن من جانب بعض دول الخليج نحو الصيغة الأمنية الراهنة، وقياس حجم الفوائد والخسائر الناجمة عنها. شكل ونوعية الإجابة تتكفل برسم الكثير من المعالم المتوقعة لإعادة ترتيب البيت الخليجي على أسس متينة.