'الفرنساوي' يعيد عمرو يوسف للدراما
بعد أربع سنوات من الغياب عن الدراما، عاد الفنان المصري عمرو يوسف بمسلسله الجديد "الفرنساوي" المكون من عشر حلقات، وبدأت منصة "يانغو بلاي" السعودية بثه يوم الجمعة، بمعدل حلقتين كل أسبوع. وهو تقليد يضاعف الشغف لدى جمهور يظل منتظرا عرض الحلقات المتبقية ومعرفة إلى أين تمضي الأحداث.
نجحت الحلقتان الأولى والثانية في جذب شريحة كبيرة من المشاهدين العرب للعمل لما يحتوي عليه من إثارة ومغامرة وعنف وحيل قانونية. يجسد عمرو يوسف دور البطل في المسلسل. يقوم بدور محامي شاطر (خالد الفرنساوي). يعرف خبايا القانون ويتمكن من توظيفه لصالح موكليه بالحق أو الباطل. يعمل في مكتب محامي شهير اسمه سليمان شوكت، قام بدوره الفنان أحمد فؤاد سليم.
يرتبط خالد بمكتب شوكت للمحاماة بعلاقة عضوية. بها كل أنواع التناقضات: الصعود والهبوط، الشد والجذب، الهدوء والخلاف. يعتمد كلاهما على الآخر في كيفية استغلال الثغرات للحصول على براءات للموكلين. علاقتهما مصلحية بحتة. يحصل من خلالها كل طرف على ما يريده من أهداف. شوكت النفوذ والشهرة وتوسيع دائرة علاقاته. يتقاضى خالد المزيد من المال مقابل براعته في الدفاع عن الموكلين وادانة خصومهم.
يعزف المسلسل الذي ألفه وأخرجه آدم عبدالغفار على تيمة الإثارة في مجال المحاماة التي وفرت بيئة خصبة لتناول قضايا متعددة يطرب لها الجمهور ويجدها مسلية. يحب مشاهدتها ومعرفة تطوراتها ومصائر أبطالها. تلبس عمرو يوسف دور المحامي الفهلوي بامتياز. وهو نمط شائع ذاكرة المصريين. يتفنن في الوصول إلى غايته من دون التفات إلى قيم الحق والعدل والصدق. لا شيء يهمه سوى تخليص موكليه من الحكم عليهم بالإدانة، أو على الأقل ابعادهم عن شبح الأحكام القضائية القاسية.
نسج المؤلف مجموعة من القصص المثيرة المترابطة في أول حلقتين. من نوعية اعتداء شاب على فتاة (اغتصاب) وتقديم أدلة مزيفة للمحكمة تثبت اصابة الشاب بالعجز الجنسي بما يمكنه من تبئته. محاولة عم مذيعة مشهورة للتخلص من ورطة علاقة غرامية مع شخص انتهازي. ضرب سمعة مرشح نزيه للبرلمان عبر تقديم أوراق تثبت قيامه بتزييف شهادتي الماجستير والدكتوراة. بدت عملية التلاعب بالأوراق كدليل على شطارة خالد المعروف بالفرنساوي. لأن لون بشرته يميل للأوروبيين. شعر أصفر، عينان خضراوتان، وبشرة بيضاء.
مزج العمل بين الحاضر والماضي من خلال لقطات "فلاش باك" تستخدم للتأكيد على الارتباط بينهما وأن الثاني سوف يظل يطارد الأول على الدوام. نجح المخرج آدم عبدالغفار في تقديم سيرة سهلة وسريعة حول نشأة خالد بمفرده. واحتضان المعلمة "سندس" له، وقامت بدورها الفنانة سوسن بدر. قدم لقطات تثبت أن والده قام بقتل والدته أمام عينيه وهو طفل صغير، ثم عوقب بالحبس ومات بعد وقت قصير.
تعمد المؤلف أن لا يخرج من رحم هذه المعاناة شخصا مشوها ومريضا نفسيا. يعشق المحاماة ويتقن فنونها القانونية ليتمكن من تحقيق شهرة واسعة. يلجأ إلى كل الألاعيب التي تمكنه من النبوغ في مهنته. ترفضه أسرة حبيبته بسبب ماضي أسرته القاتم. أسهمت المعاناة المتشابكة في تشكيل طموحه وهو صغير. يتعامل مع الجميع وفقا لقانون الفهلوة الذي برع في معرفة فنونه وخباياه. ساعده الذكاء الفطري في تحصيل الكثير من المواهب التي وفرت له قاعدة جيدة في الايقاع بالآخرين. مع خفة ظل أضفت طابعا كوميديا على العمل وأخرجته من التعامل معه كمسلسل جاف.
يجيد الفنان المصري عمرو يوسف تنويع أدواره الدرامية. بدءا من مسلسل "الدالي" منذ حوالي عشرين عام وحتى آخر عمل له "وعد ابليس" منذ حوالي أربعة أعوام. وبينهما قائمة من الأعمال ثبتّت أقدامه في الدارما. أبرزها "طايع" و"غراند اوتيل" و"عد تنازلي" و"ظرف أسود" و"عشم ابليس" و"نيران صديقة". وكان مرشحا منذ ثلاثة أعوام لبطولة مسلسل "أحمس" عن سيرة قائد فرعوني يحمل هذا الاسم. توقف العمل به فجأة بعد الشروع في التجهيزات الفنية اللازمة ومن دون توضيح الأسباب.
جاءت الحلقتان الأولى والثانية كمقدمة شاملة لمسلسل "الفرنساوي". بهما بانوراما مكثفة لفكرة العمل والمسار الذي يسلكه في الحلقات المتبقية. تحول خالد في نهاية الحلقة الثانية من محامي يقوم بالدفاع عن الآخرين إلى متهم بقتل حبيبته "ليلي" وقامت بدورها الفنانة عائشة بن أحمد. هي اللغز الذي يحتاج إلى فك شيفراته لاحقا. إذ قام زوجها "يوسف" وقام بدوره الفنان سامي الشيخ بالتخلص منها ووضعها في شقة خالد ليتخلص منهما معا بعد أن علم بتجدد العلاقة القديمة بينهما مؤخرا.
تعمد مؤلف العمل أن ينثر في ثنايا الأحداث معلومات تشير إلى أن يوسف شخص "سيكوباتي". يحمل الكثير من التعقيدات النفسية الداخلية. لديه وفرة في المال وكل ما يهمه السيطرة والاستحواذ وعدم الخروج عن طوعه. جرى التعرض لطبيعة علاقته بزوجته ليلى بما يدل على عدم الوفاق، والرغبة من جانبها في الفراق والحصول على الطلاق. ما جعله يعتقد في ايقاظ علاقتها السابقة مع خالد.
تبدو القوالب الدرامية التي يتضمها العمل تقليدية من حيث الإثارة والألغاز والمناورات القانونية. لكن الشكل العام الذي يحويه "الفرنساوي" يقول إننا أمام عمل فني متكامل. الممثلون والممثلات جرى اختيارهم باتقان. بما فيهم ضيف الشرف بيومي فؤاد.
ظهرت الموسيقى التصويرية التي أعدتها ليال وطفة بجودة عالية ومحكمة. تتناسب مع طبيعة المشاهد الحزينة، وخلقت أجواء اثارة متناغمة مع الأحداث المتصاعدة. وقام المخرج آدم عبدالغفار بالاستفادة من الطاقات الكامنة داخل النجوم الكبار.
كان دور "الديب" وجسده الفنان جمال سليمان لافتا من زواية الغموض والبلطجة والعاطفة التي بدأت تظهر تدريجيا تجاه خالد. بعد أول حلقتين، انتاب الجمهور شعور بأنه قد يكون والده الذي ظن أنه توفي عقب فراره من السجن. وربما أحد أقاربه أو معارفه. نجح المؤلف في ايجاد خيط رفيع يربط بين الديب وخالد بشكل غير مباشر. تم تصويره باعتباره المنقذ الخفي الذي يلجأ إليه ليتجاوز بعض الصعوبات.
إلى حين تتكشف أبعاد شخصية الديب، يمكن القول إنها مركبة وسيكون لها شأن في الأحداث التي يواجهها خالد الفرنساوي. في مقدمتها الخروج من مأزق اتهامه بقتل ليلى. أوحى صناع العمل في اللقطات التي ظهر فيها الديب بأنه يملك كاريزما أو شخص غير عادي. يحمل ودا خفيا لخالد. يتجاوز دوره البلطجي الذي يتقاضى أموالا من الناس لقضاء حوائجهم بالمخالفة للقانون. هذا خيط آخر يربط بين الديب وخالد. يعزز فكرة أنه أكبر من صديق ومتعاون في العصف بالقانون. في إشارة تؤكد أن الجينات تلعب دورا في تصرفات البشر، في مجالي الشر والخير.




