'صوتك وصورتك' في يد الذكاء الاصطناعي بحفنة دولارات!

توجه يتصاعد نحو بيع الأفراد بياناتهم الشخصية وبياناتهم البيومترية لشركات تقنية مقابل مبالغ زهيدة لتدريب خوارزمياتها، فيما ما يعرف بـ 'اقتصاد الهوية' ما يثير مخاوف حادة بشأن الخصوصية الرقمية ومخاطر التزييف العميق، والاستغلال الاقتصادي للمستخدمين.

لندن – تكشف تقارير إعلامية حديثة، على رأسها ما نشرته صحيفة "ذي غاردن"، عن بروز ظاهرة متسارعة تتمثل في بيع الأفراد بياناتهم الشخصية، بما في ذلك الصوت والصورة والسلوك اليومي، لصالح شركات تعمل في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، في ما يصفه خبراء بأنه تحول نحو "اقتصاد الهوية".

وبحسب التقرير، يعمد آلاف الأشخاص حول العالم إلى تسجيل مقاطع صوتية وفيديوهات لحياتهم اليومية، أو مشاركة محادثاتهم وبياناتهم البيومترية، مقابل مبالغ مالية محدودة، عبر منصات متخصصة تعمل كوسيط بين الأفراد وشركات التقنية. وتُستخدم هذه البيانات في تدريب نماذج متقدمة للتعرف على الصوت والصورة، وكذلك أنظمة المحادثة الذكية.

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه شركات الذكاء الاصطناعي نقصًا متزايدًا في البيانات عالية الجودة، مع تقييد الوصول إلى المحتوى المنشور على الإنترنت وارتفاع المخاطر القانونية المرتبطة بجمعه دون إذن، ما يدفعها إلى شراء البيانات مباشرة من المستخدمين.

وتشير تقارير تحليلية وتقنية متقاطعة إلى أن هذا النموذج الجديد، الذي يشبه "اقتصاد الأعمال الحرة"، لا يقوم على بيع المهارات أو الوقت، بل على تأجير الهوية الرقمية ذاتها، بما يشمل الخصائص البيومترية والأنماط السلوكية للأفراد.

غير أن هذه الممارسات تثير مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية والأمن الرقمي. فالعقود التي يوقعها المستخدمون غالبًا ما تمنح الشركات تراخيص دائمة وغير قابلة للإلغاء لاستخدام البيانات، مع غياب الشفافية بشأن طبيعة الاستخدامات المستقبلية أو الجهات التي يمكن أن تصل إليها.

تراخيص دائمة وغير قابلة للإلغاء

كما تحذر تقارير من مخاطر الاستنساخ الرقمي، حيث يمكن استخدام البيانات المجمعة لإنتاج محتوى مزيف يحاكي أشخاصًا حقيقيين، بما في ذلك مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية يصعب تمييزها عن الواقع، وهو ما قد يفتح الباب أمام استخدامات مضللة أو احتيالية.

وفي هذا السياق، رصدت تقارير أخرى ارتفاعًا في حالات الاحتيال المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك انتحال الهوية الرقمية، مستفيدة من توفر بيانات شخصية عالية الدقة.

كما تسلط دراسات أكاديمية الضوء على مخاطر إضافية، من بينها احتمال تسرب بيانات المستخدمين من داخل نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها، عبر هجمات تحليلية تستهدف استخراج معلومات من البيانات التي تم تدريب النماذج عليها.

ويرى خبراء أن هذه الظاهرة تعكس تحولًا أوسع في الاقتصاد الرقمي، من مرحلة جمع البيانات دون علم المستخدم، إلى مرحلة يشارك فيها الأفراد طوعًا في بيع بياناتهم، غالبًا بدافع الحاجة الاقتصادية، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض.

ويحذر محللون من أن هذا التحول قد يعمّق فجوة رقمية عالمية، حيث تستفيد شركات التكنولوجيا الكبرى من القيمة الاقتصادية للبيانات، في حين يحصل الأفراد على عوائد محدودة مقابل التخلي عن عناصر أساسية من هويتهم الرقمية.

ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتوقع أن يتزايد الطلب على هذا النوع من البيانات، في ظل غياب أطر تنظيمية واضحة تحكم استخدامه، ما يطرح تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الخصوصية وحدود استغلال البيانات البشرية في الاقتصاد الرقمي.