في عصر الغطرسة الرقمية: كيف سحقت 'الخوارزمية' حصون التاريخ والجغرافيا؟
يتسارع التطور التكنولوجي بشكل مخيف، وتكمن المشكلة الحقيقية في أن نتائجه تصب غالبا في مصلحة القوة الصلبة وليس الناعمة؛ بمعنى أنه إذا استمر هذا الحال، فإن غطرسة القوة المدعومة بالتكنولوجيا ستتفوق على فضيلة الخير والحق، سواء كان تاريخياً أو جغرافياً.
إن الحروب الأخيرة التي نشاهدها بأم أعيننا نرى فيها تلك الهيمنة التي تجسّد واقعية عميقة لطبيعة الصراع في العصر الرقمي، وهي تشير إلى فجوة متزايدة بين القدرة التقنية والقيم الأخلاقية أو القانونية. هناك اختلال توازن بين القوة الصلبة والناعمة؛ والمقصود بالقوة الصلبة هنا هو التفوق العسكري، والاقتصادي، والسيبراني الهجومي، بينما القوة الناعمة هي الجذب الثقافي والفني، والقيم الأخلاقية، والشرعية الدولية، وتحقيق حقوق الإنسان.
تمنح التكنولوجيا المعاصرة (مثل الذكاء الاصطناعي، والدرونز، وأنظمة المراقبة) الدول التي تمتلكها وتنتجها قدرة على فرض إرادتها "بالقوة" دون الحاجة لإقناع الآخرين بعدالة قضيتها. قديماً، كان كسب العقول والقلوب (القوة الناعمة) ركيزة أساسية للاستقرار؛ أما اليوم، فتوفر التكنولوجيا أدوات "لإخضاع" العقول عبر الخوارزميات والتضليل، مما يحوّل القوة الناعمة من أداة جذب إلى أداة اختراق (قوة صلبة مقنعة).
تخلق التكنولوجيا شعوراً بـ "المناعة" لدى الطرف القوي، مما يؤدي إلى تجاوز القوانين؛ فعندما تمتلك دولة تقنيات تجسس أو أسلحة فتاكة لا يمكن صدها، يقل حافزها للامتثال للقانون الدولي أو احترام سيادة الدول الأخرى. فضلاً عن إمكانية الحروب النظيفة؛ فالتكنولوجيا تجعل الحروب تبدو "عن بُعد" وبخسائر بشرية أقل للمعتدي، مما يسهل قرار استخدام القوة والبطش ضد صاحب الحق. وتمثل إسرائيل وحرب غزة، وإيران وتفجيرات البيجر أبرز الأمثلة التي نعيشها لحظة بلحظة.
أما فيما يتعلق بصراع التكنولوجيا مع "فضيلة الحق" (ثوابت التاريخ والجغرافيا)، فهذه هي النقطة الأكثر مأساوية؛ حيث تشير إلى أن المعطيات الثابتة لم تعد كافية لحماية أصحابها. فالحق أو الثابت الجغرافي (الأرض) لم يعد عائقاً أمام التكنولوجيا؛ إذ إن الاستشعار عن بعد، والصواريخ العابرة، والسيطرة السيبرانية تجعل الحدود الجغرافية هشة أمام القوة التكنولوجية.
وبالمثل، فإن الثابت التاريخي هو الآخر يتعرّض للتشويش من خلال التكنولوجيا التي تتيح للقوي "إعادة كتابة التاريخ" أو طمسه من خلال السيطرة على المحتوى الرقمي، ونشر الروايات المزيفة عبر المنصات العالمية، مما يضعف حجة صاحب الحق التاريخي أمام جيل يستهلك معلوماته من شاشات يسيطر عليها الأقوى في مجال الذكاء الاصطناعي.
إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما كان يتحدث عن عزمه الاستيلاء على الجزيرة الدنماركية "غرينلاند"، لم يشر من قريب أو بعيد إلى القانون الدولي وحقوق السيادة، لكنه قال: "من الممكن إبرام صفقة معهم، هو الجزء السهل، لكننا سنحصل على جرينلاند بطريقة أو بأخرى". وقال بنبرة ساخرة: "دفاعهم يعتمد أساساً على زلاجتين تجرهما كلاب. هل تعلمون ذلك؟ هل تعلمون ما هو دفاعهم؟ زلاجتان تجرهما كلاب". هكذا هو يرى القوة فقط ولا شيء غيرها.
لقد أصبحنا أمام عالم يتحوّل إلى "غابة رقمية"، حيث لا تُحترم القواعد الأخلاقية أو الروابط التاريخية، بل تُحترم فقط القدرة على الابتكار التقني وتوظيفه في الهيمنة. هي دعوة للانتباه إلى أن التكنولوجيا ليست "محايدة"، بل هي مضخم للقوة، وإذا سقطت في يد غاشمة، فإنها تجعل "الحق" يبدو ضعيفاً ومجرداً من السلاح.
وتطبيق هذه المقولة على إيران وفنزويلا يكشف كيف تحوّلت التكنولوجيا من أداة "رفاهية" إلى سلاح استراتيجي يتجاوز اعتبارات الحق التاريخي أو الحدود الجغرافية، بل ويقلب موازين القوى التقليدية. تعتبر الحالة الفنزويلية نموذجاً حياً لكيفية استخدام التكنولوجيا لتعطيل "الحق الجغرافي" للدولة في السيطرة على مواردها وأرضها، حيث تم تجاوز الحدود تقنياً في العمليات العسكرية أو الاستخباراتية (مثل العمليات التي استهدفت البنية التحتية)، واستخدمت الهجمات السيبرانية لتعطيل شبكات الكهرباء والاتصالات في كاراكاس دون إطلاق رصاصة واحدة. هنا، لم تنفع فنزويلا تضاريسها الوعرة ولا سيادتها الجغرافية المعترف بها دولياً أمام "تكنولوجيا الإظلام" التي تُدار من قارة أخرى.
كما أن قوة التقنيات التي تمتلكها واشنطن منحتها القدرة على إجراء "تحليل جنائي" للأسلحة التي تمتلكها فنزويلا (مثل المسيرات الإيرانية المجمعة هناك). هذا الوصول التقني يبطل مفعول السلاح الفنزويلي ويحوله من "قوة ردع" إلى "كتاب مفتوح" للخصوم، مما يثبت أن غطرسة القوة التقنية تتفوق على حق الدولة في حماية أسرارها العسكرية.
وفي الحالة الإيرانية يتجلّى بوضوح صراع "الخوارزمية" ضد "التاريخ"؛ فطهران تعتمد في شرعيتها على "حق تاريخي" وعمق حضاري، لكن المواجهة الحالية تظهر تفوق القوة التكنولوجية الصلبة. وهنا جاء سلاح التخريب الرقمي (Stuxnet وما بعده)، حيث تعرّضت المنشآت النووية الإيرانية لهجمات برمجية (مثل فيروسات استهدفت أجهزة الطرد المركزي). هذا النوع من القوة الصلبة لا يحتاج لاختراق الحدود الجغرافية، بل يخترق "الأنظمة" ليقوض حق الدولة في التطوير التكنولوجي والسيادة العلمية.
وامتد الأمر إلى خنق القوة الناعمة عبر "الحصار الرقمي"؛ فبينما تحاول إيران تصدير ثقافتها أو روايتها التاريخية (قوة ناعمة)، تجد نفسها أمام جدار تكنولوجي صلب متمثل في التحكم في خوارزميات منصات التواصل والعقوبات التقنية التي تمنع وصول صوتها، مما يجعل "قوة الحق" في التعبير ضعيفة أمام "قوة المنصة" التكنولوجية.
"إن هذه "الغابة الرقمية" التي نعيشها تفرض واقعاً لا مفر منه؛ وهو أن الحق التاريخي والعدالة الجغرافية، مهما بلغت مشروعيتها، لم تعد دروعاً كافية لحماية السيادة في عصر "الخوارزمية الغاشمة". إن صمود الدول والشعوب أمام غطرسة التكنولوجيا يتطلب التحول من "الاستهلاك السلبي" للأدوات التقنية إلى معركة "السيادة الرقمية" الشاملة. لم يعد بناء الجيوش التقليدية كافياً، بل أصبح امتلاك "البنية التحتية السيبرانية المستقلة"، وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الوطنية، وتحصين الفضاء الرقمي من الاختراق، هي الركائز الجديدة لتعريف الاستقلال الوطني. فالتاريخ يعلمنا أن القوة لا تُردع إلا بقوة توازيها، وفي عالم اليوم، لا يمكن لصاحب الحق أن يستعيد صوته أو يحمي أرضه ما لم يمتلك "سلاح المنصة" و"منطق البرمجية"؛ لكي لا يظل الحق مجرداً من السلاح في مواجهة تكنولوجيا لا تعترف إلا بلغة الغلبة والتمكين."
في كل الأحوال، نجد أن التكنولوجيا قد جرّدت "الجغرافيا" من حصانتها و"التاريخ" من تأثيره وتلك هي معادلة الصراع الجديدة.