المغرب ومصر يؤسسان لشراكة متكاملة
القاهرة - تحتضن العاصمة المصرية، ابتداءً من يوم الاثنين المقبل، حدثاً دبلوماسياً واقتصادياً يوصف بـ"المفصلي" في تاريخ العلاقات الثنائية بين المغرب ومصر؛ إذ تنعقد الدورة الأولى لـ"لجنة التنسيق والمتابعة" برئاسة رئيسي حكومتي البلدين، عزيز أخنوش ومصطفى مدبولي، في خطوة طموحة تهدف إلى طي صفحة "الجمود المؤسساتي" وتدشين مرحلة غير مسبوقة من التكامل التنفيذي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الزخم الجديد في كونه يؤسس لتحول هيكلي في إدارة المصالح المشتركة؛ فبعيداً عن منطق اللقاءات البروتوكولية العابرة، تبرز هذه اللجنة كذراع تنفيذي دائم يعمل تحت الإشراف المباشر للجنة العليا المشتركة التي يقودها العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مما يمنحها غطاءً سياسياً قوياً وقدرة على المناورة والإنجاز.
وتسعى هذه الآلية المبتكرة إلى كسر الصورة النمطية المرتبطة بـ"توقيع الاتفاقيات دون تفعيل"، مستندة في ذلك إلى منهجية التتبع الدوري والتقييم المستمر للسياسات المشتركة، وذلك بغرض الانتقال بالعلاقات من نمط "التعاون الموسمي" إلى رحاب "الشراكة الاستراتيجية المنتجة" التي ترتكز على النتائج الملموسة والمردودية الاقتصادية المباشرة.
وتتجسد رغبة الرباط الأكيدة في إعطاء دفعة قوية لهذا المسار من خلال ثقل الوفد المغربي المشارك، والذي يضم طيفاً واسعاً من صُناع القرار الاقتصادي والدبلوماسي، يقودهم وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، إلى جانب وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح ووزير الصناعة والتجارة رياض مزور ووزير الفلاحة والصيد البحري أحمد البواري ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، بالإضافة إلى الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية كريم زيدان.
ومن المنتظر أن تكلل أشغال هذه الدورة بالتوقيع على حزمة وازنة تضم 16 اتفاقية ثنائية، تغطي قطاعات حيوية كالاستثمار، التجارة، الصناعة، والفلاحة، ما يشكل خارطة طريق عملية لتعزيز التبادل التجاري البيني.
وفي قراءة للسياق السياسي، يأتي هذا الاجتماع كعملية "إعادة ضبط رصينة" لإيقاع العلاقات بعد فترة من التجاذبات الإعلامية التي تلت منافسات رياضية قارية؛ فرغم "الفتور العابر" الذي طفا على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن الإرادة السياسية في البلدين أثبتت حصانتها، حيث أكدت المصادر الرسمية أن المناوشات الإعلامية لم تنل من جوهر العلاقات المؤسساتية العميقة والمستقرة بين الضفتين.
إن الطموح المشترك اليوم يتجاوز مجرد كسر "الجمود النسبي" الذي طبع اللجنة المشتركة منذ عام 2016، بل يمتد ليشمل تشخيصاً دقيقاً لمعيقات التبادل التجاري التي لا تزال دون مستوى الإمكانات الضخمة للبلدين. والرهان معقود على استثمار "التكامل الجيوسياسي"، حيث يقدم المغرب نفسه كبوابة استراتيجية نحو العمق الإفريقي والفضاء الأطلسي، بينما تمثل مصر مركزاً حيوياً في شرق المتوسط ومعبراً نحو أسواق الخليج والمشرق العربي.
ختاماً، إن اجتماع القاهرة ليس مجرد "ترميم" لآليات قديمة، بل هو إعادة بناء شاملة لبنية مؤسساتية مرنة، قادرة على امتصاص الهزات العابرة، وتحويل الرؤية السامية لقائدي البلدين إلى واقع ملموس يخدم المصالح العليا للشعبين الشقيقين في ظل تقلبات إقليمية ودولية متسارعة.