حسنين بن عمو: حكواتي تونس ومُحيي تاريخها بالخيال

فنانٌ تشكيليٌّ طوَّع ريشته لكتابة الأرشيف التونسي، وروائيٌّ استثنائيٌّ نجح في تحويل جفاف الوثائق الأرشيفية إلى ملاحم إنسانية نابضة بالحياة، ليغدو حارس الذاكرة الشعبية والملهم الأول للقراء الباحثين عن هويتهم في مرايا الماضي.

بين ريشة الرسام وقلم الروائي وموسوعيّة الشغوف بالتاريخ، ينسج حسنين بن عمو الذاكرة التونسية محوّلا جفاف الوثائق التاريخية إلى حكايات تنبض شخوصا وحياة. ولد بن عمو في مدينة "دار شعبان الفهري" (محافظة نابل التونسية)، وحمل معه منذ الطفولة شغفاً مزدوجاً بالمطالعة والشعر والرسم، حيث بدأت علاقتة بالكلمة من مكتبة مدرسته الابتدائية، بينما صقلت عينه الفنية تأثره بالمدرسة السريالية و''سلفادور دالي''. هذا التكوين البصري قد يكون السر الكامن وراء أسلوبه الروائي؛ فهو لا يكتب الأحداث بقدر ما "يرسمها" معتنيا بدقة "الساكف" والعتبة وتفاصيل "الجبة" والزقاق ومباني المدينة، وكأن الرواية عنده لوحة زيتية ممتدة عبر الزمن.

تتجلى رؤية بن عمو النقدية للأدب والتاريخ في سعيه الدائم لـ "تونسة" السرد؛ فهو يرفض النخبوية المتعالية، ويؤمن بأن التاريخ ملك للعامة. هذا الإيمان هو ما دفعه للنزول إلى أزقة المدينة العتيقة ليستنطق "الوثائق الحية" من صدور الشيوخ والعجائز، محولاً لهجتهم التونسية المهذبة إلى وعاء أدبي يجمع بين الفصاحة وسلاسة المحكية. هذه الخلطة السحرية هي التي جعلت من صدور رواياته ظاهرة ثقافية فريدة في تونس، حيث يصطف القراء في طوابير طويلة لاقتناء أعماله مثل "حجام سوق البلاط" و"باب الفلة"، باحثين في ثنايا تاريخهم الحفصي والمرادي عن إجابات لأسئلة حاضرهم ومرايا لأزماتهم المعاصرة.

التاريخ كـ "إشارة ضوء"

يرى بن عمو أن الرواية التاريخية هي "إشارة ضوء في مكان خالٍ لمن يريد أن يهتدي بشيء". هو لا يكتب ليهرب من الواقع، بل ليواجهه بمرايا الماضي. في لقاءاته، يؤكد بصرامة "أنا أردد دائماً أن من سيقرأ لي هو الطالب والجامعي والمؤرخ، ولذلك أبني بيتاً من بلور لا أريد أن يُرمى بالحجارة لأنني تعسفت على التاريخ".

هذا الانضباط الأخلاقي يجعله يقضي سنوات في التوثيق قبل خط السطر الأول، مستعيناً بمخطوطات "أحمد بن أبي الضياف" ووثائق "مكتبة ابلا"، بل إنه يذهب أبعد من ذلك في "صناعة" شخصياته، حيث يعترف بأنه يقرأ "برج ميلاد الشخصية التاريخية" ليمشي مع "ريحها" ويفهم تقلباتها النفسية.

"باب الفلة" والمتاهة الحفصية: قراءة منصف الوهايبي

يضع الكاتب التونسي منصف الوهايبي كتابة بن عمو في منطقة حيرة نقدية، فهي ليست مجرد رواية تاريخية كلاسيكية (على خطى جرجي زيدان)، وليست مجرد توثيق جاف. يصفها الوهايبي بـ "الصحن الطائر" أو "الجسم الأدبي المجهول"، كونها تمزج بين الرواية البوليسية من خلال الاستقصاء والتحقيق وملاحقة الشهود، والريبورتاج الصحفي في دقة رصد الأحداث والوقائع، والأدب الوثائقي الذي يعيد بناء التاريخ من حيث توقف المؤرخ.

ويعتبر الوهايبي أن السارد يتحول عند بن عمو من مجرد حكواتي إلى "محقق" يلتقط الخيط من المؤرخين. وتظهر ملامح هذا الأسلوب في مواصلة البحث في المسكوت عنه تاريخياً (خفايا السياسة، مكائد القصر، كيد النساء) وعدم الاكتفاء بالوثيقة، بل ملاحقة "الضحايا" والشهود المفترضين من "العوام" و"الخواص"، والنبش في "شوارد الأخبار" لاستنطاق الحقيقة الضائعة.

تكمن مهارة بن عمو في قدرته على الإمساك بخيوط شخصيات تاريخية (مثل درغوث باشا، خير الدين بربروس، السلطان أحمد) وتحويلها من رموز "أيقونية" جامدة إلى شخصيات نابضة بالحياة. هو لا ينقلها كما وردت في الكتب، بل يوزع حولها "الظلال والأضواء" ليخلق تفاعلاً بين الشخصية وبيئتها، مما يجعلها تبدو كأنها تتحرك أمام القارئ الآن، وفق ما يراه الوهايبي.

من أبرز ملامح الكتابة عند بن عمو وفق هذه القراءة، لغته التي تكسر حدة الفصحى التقليدية عبر استخدام "مزايا الشفهي" والمحكية التونسية لتجسيد روح المكان. ومن خلال خلق "تزاوج حواري" بين العامي والفصيح يخدم واقعية المشهد (مثل حوارات عبد العزيز وشريفة). هذا التهجين ليس زينة، بل هو "تعاقد" مع القارئ لاستحضار البيئة الاجتماعية التونسية بكل تفاصيلها.

يلفت الوهايبي الانتباه إلى اهتمام بن عمو الفائق بـ "عمارة المكان". الكتابة هنا تبدأ من "السواكف" (أعالي الأبواب) والأزقة (سوق الصباغين، باب الفلة، باب غدر). فالمكان عند بن عمو ليس خلفية للأحداث، بل هو بطل يروي قصة الصمود والاندثار، وهو الرمز الخفي الذي يربط بين "تونس الأمس" و"تونس اليوم".

يؤكد الوهايبي أن بن عمو لا يكتفي بالواقعية الصرفة، بل يعتمد على تنسيق خاص لـ "وقائع منتحلة" (متخيلة بذكاء) يملأ بها فراغات التاريخ. والهدف من ذلك ليس تزييف الحقائق، بل الوصول إلى "جمالية النوع" واستنطاق "الثمين والنادر" في التاريخ، مما يجعل الرواية مرآة تعكس الحاضر في قلب الماضي.

ظاهرة "الطوابير": القارئ الذي وجد نفسه

لم يأت إقبال التونسيين على روايات بن عمو من فراغ، بل هو استجابة لتعطش شعبي نحو "تونسة" السرد. لقد نجح بن عمو في تحويل التاريخ من مادة مدرسية جافة إلى ملحمة إنسانية. في الدورات الأخيرة لمعرض تونس الدولي للكتاب، أصبحت طوابير التوقيع أمام جناح "نقوش عربية" ظاهرة تدرس؛ فالقارئ التونسي، وخاصة في رواية "حجام سوق البلاط"، وجد نفسه أمام مرآة تكشف له أسباب دخول الحماية الفرنسية والفساد الذي نخر الدولة (عبر شخصية مصطفى بن إسماعيل)، وهي تفاصيل يراها القارئ تتقاطع بشكل مذهل مع تعقيدات الحاضر.

البيبلوغرافيا الكاملة

خلال مسيرته التي بدأت فعلياً في الثمانينيات عبر النشر المسلسل في الصحف (مثل "العمل" و"الحرية")، قدّم بن عمو للمكتبة العربية مجموعة من الروائع التي تؤرخ لمراحل مفصلية:

ثلاثية العهد الحفصي:

باب العلوج: أولى رواياته، وتؤرخ لفترة السلطان الحفصي "أبي الفارس".

رحمانة: (تحولت لعمل إذاعي) وتصور الصراع بين الحفصيين والإسبان والأتراك.

باب الفلة: الجزء الثالث من الملحمة الحفصية، وتتناول سقوط الدولة الحفصية (1568-1574).

روايات العهد المرادي والحسيني:

الكروسة: توّجت بجائزة علي البلهوان 1999، وتتناول تونس في القرن التاسع عشر.

مراد بوبالة: عن فترة الحكم المرادي وشخصية مراد الثالث المثيرة للجدل.

يوسف صاحب الطابع: سيرة الوزير القوي في عهد حمودة باشا الحسيني.

حجام سوق البلاط: (في جزأين) وهي العمل الأكثر مبيعاً، وتؤرخ لنهاية العهد الحسيني وبداية الاستعمار عبر شخصية مصطفى بن إسماعيل.

روايات السير والانتفاضات:

الغروب الخالد: تتناول سيرة العلامة "ابن خلدون" وصراعه مع السلطة والرحيل.

عام الفزوع (1864): أرّخ فيها لثورة "علي بن غذاهم" (ثورة الجياع)، وهي الرواية التي ولدت من رحم مشروع سينمائي لم يكتمل مع المخرج الراحل شوقي الماجري.

الموريسكية: تتناول مأساة تهجير الأندلسيين واستقرارهم في تونس. 11. الأندلسية: امتداد لموضوع الهجرة الموريسكية والصدمة الثقافية.

"زهد" درامي

رغم هذا الثراء والنجاح الجماهيري، يظل بن عمو "ناسكاً" وفياً لمبادئه؛ فهو يرفض تسليع أعماله في دراما تلفزيونية لا تحترم "الكاستينغ" أو الديكور التاريخي، مفضلاً أن تبقى شخوصه في معبد الورق على أن تظهر مشوهة في واقع إنتاجي يفتقر للذكاء والإمكانيات.

إن مسيرة حسنين بن عمو، التي انطلقت من قصص قصيرة في مجلة "الفكر" لتستقر في صدارة الرواية التاريخية العربية، هي قصة كاتب استطاع أن يهزم الإهمال الرسمي بوفائه لذاكرة شعبه، ليصبح بحق "حارس الزمن الجميل" الذي أعاد للتونسيين فخرهم بهويتهم من خلال "حكايات" لا تزييف فيها ولا طمس، كما نجح في نفض تهم الملل والضجر والجفاف، التي لاحقت ''التاريخ'' وتدريسه في الأقسام والجامعات، ليخلق من التاريخ وله عوالم شيّقة مثيرة، ويبث النبض في الوثائق الصفراء المتآكلة.