تركيا تستثمر التوترات لمعالجة أزمتها المالية
أنقرة – تراهن تركيا على استثمار التوترات الناجمة عن الحرب على إيران وتحويلها إلى قوة دفع لاقتصادها المتعثر، مستهدفة استقطاب كبرى المؤسسات المالية العالمية المتمركزة في منطقة الخليج. وفي حال نجاح هذه الاستراتيجية، لن تكتفي أنقرة بمعالجة عحزها المالي المزمن، بل ستعيد صياغة تموضعها كقبلة مالية محورية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستفيدة من إعادة تشكيل خارطة النفوذ المالي التي فرضتها الصراعات الجارية.
وكشف الرئيس التنفيذي لمركز إسطنبول المالي (IFC)، أحمد إحسان إردم، في مقابلة صحفية، أن الحرب الإيرانية الأخيرة دفعت عشرات الشركات الدولية العاملة في الخليج إلى بحث نقل جزء من عملياتها إلى المركز الناشئ.
وأوضح إردم أن المركز، المدعوم بقوة من الدولة التركية، بات يُطرح كبديل "آمن تشغيلياً" في ظل اضطراب الممرات المائية والمراكز اللوجستية في الخليج.
ويعد مركز إسطنبول المالي، الذي يتألف من مجموعة أبراج زجاجية حديثة افتُتحت قبل ثلاث سنوات في الجانب الآسيوي من المدينة، قلب الطموح التركي الجديد. ويضم حالياً المقر الرئيسي للبنك المركزي التركي وكبرى المصارف الحكومية والجهات التنظيمية، كما يقدم حزمة حوافز مغرية، تشمل إعفاءات ضريبية شاملة للشركات خلال السنوات العشر الأولى من التأسيس.
وقال إردم لرويترز، من مقر المركز، "نظراً لتصاعد التوترات الإقليمية، عقدنا خلال الشهر الماضي وحده اجتماعات مع أكثر من 40 شركة، تتخذ معظمها من شرق آسيا ودول الخليج مقاراً رئيسية لها".
وكشف المسؤول التركي عن تحول مفاجئ في الاهتمام الدولي؛ فبينما كان المركز قد حدد 15 اجتماعاً فقط قبل اندلاع الصراع، أدت التطورات العسكرية إلى "تكثيف وتيرة الاتصالات" بشكل غير مسبوق، حيث تدرس هذه الشركات جدياً نقل عملياتها جزئياً أو التوسع في السوق التركية كنوع من "تحوط المخاطر".
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الارتباك المالي؛ فمنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قبل ما يزيد عن شهر، واستهداف طهران لمواقع حيوية في الخليج، اضطرت مؤسسات مالية كبرى لاتخاذ إجراءات احترازية.
ووجّهت بعض المصارف موظفيها للعمل عن بُعد، بينما اتخذ بنك (HSBC) العملاق خطوة راديكالية بإغلاق كافة فروعه في قطر حتى إشعار آخر، ما خلق فراغاً وظيفياً وتشغيلياً تسعى إسطنبول لملئه.
ولا تقتصر استراتيجية المركز التركي على الشركات الهاربة من الحرب، بل تمتد لتشمل شراكات مع دول شرق آسيا، في وقت تجري فيه أنقرة محادثات جارية مع مؤسسات من ماليزيا، اليابان، سنغافورة، كوريا الجنوبية، وهونج كونج.
ويتركز الاهتمام على "التكنولوجيا المالية" (Fintech)، التأمين والتمويل الإسلامي، الذي تطمح تركيا أن تصبح مركزاً عالمياً له. ورغم عدم إفصاح إردم عن أسماء الشركات المحددة، إلا أن التوقعات داخل المركز متفائلة جداً؛ حيث يخطط لزيادة عدد العاملين فيه إلى 40 ألف موظف بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأل المقبل، وهو ما سيرفع معدل الإشغال والتشغيل إلى 75 بالمئة.
وتمثل هذه اللحظة التاريخية لمركز إسطنبول المالي اختباراً حقيقياً لقدرته على تقديم نفسه كـ"قوة موازنة" للمراكز المالية التقليدية في أوروبا والخليج، محولاً الأزمة الإقليمية إلى "رافعة نمو" قد تنتشل الاقتصاد التركي من عثرته.