مفاوضات إسلام آباد: حين ترسم 'الضرورة' حدود التعايش الحرج

هشاشة التفاوض لا تقل عن أزمة احتواء التداعيات السياسية للصراع وتظل معضلة 'الضمانات الأمنية الإقليمية' العائق الأكبر أمام استدامة أي اتفاق.

أسدل ستار الحرب وهدأت إلى حينٍ أصوات القنابل والصواريخ فوق جبهات القتال، وانفتح المشهد على مفاوضات هشة توجهت إليها الأطراف بالإكراه، بعد أن فشلت في تحقيق نصر ساحق أو هزيمة بالضربة القاضية لأي منها.

وفي الصراع العسكري، عندما يغيب الحسم، يصبح "الانتصار بالنقاط" متاحاً لكل طرف، وله الحق أن يصيغه كما يتراءى له في سرديته الخاصة. فطهران ترى أنها انتصرت ببقاء النظام بعد قصف أميركي مركز استمر 40 يوماً، وبفرض واقع جديد يُشرعن نفوذها على مضيق هرمز، مضافاً إليه اعتراف ضمني بالقيادة الجديدة المتمثلة في المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، والأهم جاء في تلاحم الشارع مع النظام ضد الضربات بعكس ما كان متوقعاً. أما واشنطن، فتعزز سردية النصر بتحييد الآلة العسكرية الإيرانية وتراجع برنامجها النووي سنوات إلى الوراء والقضاء على برنامج الصواريخ الباليستية. وفي المقابل، تعيش تل أبيب - التي تغيب بالاسم عن طاولة التفاوض - انتصاراً مشوشاً؛ فهي طرف الحرب الأساسي، لكنها وجدت نفسها مجبرة على الالتزام بوقف إطلاق النار مع إيران، بينما تظل جبهتها مع حزب الله في لبنان مشتعلة ومفتوحة على كل الاحتمالات.

على طاولة المفاوضات سيحاول أطراف الصراع تقنين هذه السرديات؛ فيما يجمعهم تخوف واحد، هو العودة إلى الحرب مجدداً ومواجهة سيناريو توسيع الضربات دون سقف تطبيقاً لتهديد ترامب، والدخول في الاستنزاف المتبادل. هذا ما تابعناه بعد أيام من اندلاع الازمة، حيث برزت أمام البنتاغون، معضلة "كفاءة الاستهداف" بعد استهلاك نحو ثلثي مخزون الذخائر الذكية دون أن يفضي ذلك إلى انهيار النظام في طهران. وهنا تصبح الكثافة النارية مجرد عبء لوجستي واقتصادي عندما تصطدم بجغرافيا دفاعية معقدة ومنشآت محصنة. وتدرك واشنطن أن الاستمرار في "تجفيف المخازن" بلا أفق سياسي واضح، سيؤدي إلى تآكل مقدرات الردع الأمريكية الاستراتيجية، دون تحقيق الطفرة التي تُغير قواعد اللعبة على الأرض. بل وما زالت قدرات النظام الصاروخية تمثل تهديداً قائماً.

معضلة اخري ستتجسد مع التوسيع المتوقع عندما يطال الأهداف المدنية والاقتصادية والنفطية، وهو فعلياً سينعكس سلباً على الشارع الإيراني، لكنه أيضاً مكلف أخلاقياً ومجرّم بحكم القانون الدولي. فحتى لو كان هذا الجرم لا يشغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإنه سيمثل أداة ضغط للمنظمات الدولية. أما إذا وصل الأمر لضرب الآبار والمنشآت النفطية، فسنكون أمام كارثة بيئية أشد سوءاً مما حدث بعد حرب الكويت عام 1990؛ هذا السيناريو تحديداً تكلفته يصعب حسابها بالأرقام.

هنا يبرز "توازن الرعب المتبادل" على طاولة التفاوض كمحرك للاتفاق على القضايا التوافقية فقط، وربما تأجيل المعضلات الكبرى (الملف النووي والأذرع) لتجنب الانهيار الشامل. وبوجود تمثيل أميركي رفيع بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يرى أنّ نتنياهو ورط ترامب في تلك الحرب، فإن واشنطن تؤكد جديتها لغلق صفحة الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس، وأيضا يحجم طموحات "المتربصين" الراغبين في استمرار التصادم حتى إسقاط النظام.

لذا ليس مستغرباً أن يكون جدول المفاوضات غامضاً، حتى في عدد نقاط التفاوض التي سيتم بحثها في محاولة لسد الفجوات وتقليل الطموحات، وربما تتجه دفة المفاوضين نحو تعظيم مواطن التوافق، مثل أمن الملاحة وإعادة الإعمار، التي يراها ترامب أداة احتواء اقتصادية ومصدر دخل لشركاته العاملة في قطاع التطوير العقاري. وملف التعويضات حيث تصر طهران على تقنين "رسوم سيادية" على عبور السفن في هرمز لتأمين الملاحة، أو استرداد أموالها المجمدة.

هشاشة التفاوض لا تقل عن أزمة احتواء التداعيات السياسية للصراع، وتظل معضلة 'الضمانات الأمنية الإقليمية' العائق الأكبر أمام استدامة أي اتفاق؛ فالحرب لم تكتفِ بتعميق فجوة الثقة بين ضفتي الخليج، بل كشفت عن تباينات جوهرية في "عقيدة إدارة الأزمات" داخل مجلس التعاون. فبينما تبنت عُمان مقاربة 'الحياد النشط' لضمان تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز — وهي المقاربة التي قرأها البعض كتماهٍ مع الضرورات الإيرانية — سعت عواصم خليجية أخرى لتعريف أمن الملاحة كخط أحمر دولي لا يقبل القسمة. هذا التباين يضع مفاوضي إسلام آباد أمام تحدي صياغة "هندسة أمنية جديدة" تتجاوز الهواجس التقليدية، وتنتقل نحو تعريف موحد للمخاطر المشتركة، بما يضمن عدم تحول المضائق الدولية إلى أوراق مقايضة في أي صراع مستقبلي.

خلف طاولة المفاوضات هناك قوي أخرى تتحرك للاستثمار في الأزمة وتحقيق مكاسبها الخاصة. فباكستان، على سبيل المثال اختارت دور "الوسيط الحذر" مؤقتا. ورغم امتلاكها ردعاً نووياً بتمويل خليجي واتفاقيات دفاعية مع السعودية، إلا أنها تعمدت عدم التصويت على مشروع القرار البحريني في مجلس الأمن لتأمين الملاحة في مضيق هرمز لتثبيت حيادها وتأهيل نفسها كساحة مقبولة للتفاوض، فهي ليست مجرد قاعة اجتماعات، بل لاعب يسعى لترسيخ دور فاعل في أزمات المنطقة بعيداً عن صراعاته التقليدية مع الهند.

كذلك لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن "الظلال الشرقية" التي تخيم على طاولة التفاوض؛ فبكين التي تراقب بحذر أمن ممرات الطاقة، وموسكو المعنية باستنزاف القدرات الأطلسية، لا تلعبان دور المتفرج. بل تبرز الصين هنا كـ"ضامن جيوسياسي" غير معلن، يسعى لتحويل الهدنة إلى واقع مستدام يحمي استثماراتها في الممر الاقتصادي الباكستاني، ويمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة قد تمنح واشنطن ذريعة لإعادة تموضع عسكري طويل الأمد. هذا الدور الصيني يمنح طهران رئة تنفس سياسية، ويجعل من ترامب أمام خيار صعب: إما القبول باتفاق تشارك بكين في رسم ملامحه، أو العودة لمغامرة عسكرية قد تنتهي بتمكين النفوذ الشرقي من سد الفراغ الأمريكي في المنطقة. بينما ترى موسكو في استمرار التوتر (دون الانزلاق لحرب فناء) مصلحة استراتيجية، حيث يؤدي ذلك إلى استنزاف مخزونات السلاح الأمريكي "الذكي" والذخائر الاستراتيجية التي كانت واشنطن تفضل توجيهها نحو جبهات أخرى (مثل أوكرانيا أو شرق أوروبا). فكل صاروخ أمريكي يسقط على جبال إيران هو صاروخ "خارج الحسابات" في المواجهة المباشرة مع روسيا.

علي كل الأحوال.. الهدنة الممتدة لأسبوعين تبدو هشة وضبابية، وفرص تمديدها تتساوى مع احتمالات انهيارها. ولو نجحت المفاوضات في غلق بعض الملفات (هرمز، والملاحة، والرفع الجزئي للعقوبات)، فسيكون ذلك انتصاراً نسبياً للدبلوماسية على حساب خيار الحرب؛ الذي يفضل البعض خوضه وتحمل خسائره غير المحتملة، بدلاً من الجلوس إلى طاولة واحدة أو التعاون مع نظام طهران.

وفي الوقت نفسه، يجب خفض سقف التوقعات من نتائج المفاوضات، فهي لا تستهدف صناعة سلام دائم بقدر ما تسعى لصياغة "هدنة الضرورات المريرة". والحقيقة التي أفرزتها حرب الأربعين يوماً هي استحالة خيار "المحو العسكري" لطرف لصالح الآخر، مما يضع الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في "حروب الاستنزاف الهجينة" بانتظار الانفجار الكبير، أو القبول بـ"التعايش الحرج" الذي يوازن بين اختلالات القوة ومصالح البقاء التي ستغري أطرافا جديدة بالدخول وتقاسم الغنائم.