لبنان في عين العاصفة.. هل تنقذ الدولة ما أفسدته الخنادق؟
في اللحظة التي يشتد فيها خناق النار على جغرافيا لبنان، يبرز إلى الواجهة رهان سياسي محفوف بالمخاطر، يقوده لبنان الرسمي، متمثلاً في قصر بعبدا وحكومة نواف سلام، يهدف إلى كسر حلقة الموت عبر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذه الخطوة، التي تتزامن مع مخاض إقليمي عسير في إسلام آباد بين واشنطن وطهران، تضع الكيان اللبناني أمام اختبار غير مسبوق، فالمسألة لم تعد مجرد ترسيم حدود أو وقف غارات، بل أصبحت صراعاً وجودياً حول هوية الدولة وقدرتها على احتكار قرار الحرب والسلم في ظل انقسام داخلي عميق يهدد بتحويل طاولة التفاوض إلى شرارة فتنة.
إن المشهد الميداني اليوم يشي بتناقض صارخ، فبينما يتحدث الرئيس جوزيف عون عن السلام المشروط كحلّ وحيد لاستعادة الاستقرار، تُصر إسرائيل على التفاوض تحت النار، ممارسةً سياسة الأرض المحروقة التي حصدت مئات الأرواح في أيام معدودة، في محاولة لفرض قواعد اشتباك تهدف إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل. هذا الضغط العسكري الهائل يقابله تصلب سياسي داخلي، إذ يرى المعارضون للمفاوضات، وفي مقدمتهم الثنائي الشيعي، أن الجلوس مع الخصم قبل وقف إطلاق النار هو استسلام مغلف بالدبلوماسية، معتبرين أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لانسحاب القوات الإسرائيلية وعودة النازحين الذين باتوا يشكلون ثلث سكان البلاد.
بشرياً، تعيش المجتمعات اللبنانية حالة من التشظي النفسي الذي تعكسه لغة الأرقام بمرارة، فاستطلاعات الرأي تظهر انقساماً حاداً يتخذ صبغة طائفية مقلقة، حيث يميل الشارع المسيحي نحو خيار السلام لإنهاء النزيف، بينما يسود الرفض القاطع في البيئة الشيعية التي تتحمل العبء الأكبر من النزوح والدمار. هذا الشرخ الديمغرافي، الذي كشفته إحصاءات النزوح (حيث بلغت نسبة المهجرين من الطائفة الشيعية نحو 73 بالمئة)، يخلق مناخاً من الغربة الداخلية، ويحوّل النازح من مواطن يبحث عن أمان إلى طرف في معادلة سياسية معقدة، مما يزيد من حساسية العلاقة بين المكونات اللبنانية ويهدد السلم الأهلي الهش أصلاً.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتداخل الجوع مع القصف ليشكلا كماشة تضغط على رقبة اللبنانيين، فتعطل الأعمال لنسبة تجاوزت نصف الشعب، وتوقف الإمدادات الغذائية نتيجة إغلاق الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز، حوّل الأزمة من سياسية إلى معركة صمود يومي لتأمين الرغيف. إن تدهور الأمن الغذائي والارتفاع الجنوني في الأسعار لا ينهك المواطن فحسب، بل يفرغ فكرة الدولة من معناها إذا ظلت عاجزة عن توفير الحماية الاجتماعية لمواطنيها المشردين، مما يدفع الناس قسراً نحو البحث عن بدائل فئوية أو خارجية.
وسط هذا الركام، تبرز محاولة الدولة استعادة هيبتها من خلال قرارات حصر السلاح في بيروت الإدارية وتعزيز دور الجيش والقوى الأمنية، وهي خطوات يراها البعض حمالة أوجه، فهي من جهة رسالة طمأنة للمجتمع الدولي والداخل، ومن جهة أخرى قد تُفهم كتمهيد لتنفيذ الالتزامات الدولية التي تشترطها إسرائيل. وهنا تكمن الخطورة، إذ سيعني أي انزلاق نحو الصدام الداخلي بين القوى الشرعية وقوى الأمر الواقع السقوط في الهاوية التي طالما حذر منها الرئيس عون.
إن لبنان اليوم لا يفاوض فقط على وقف إطلاق النار، بل يفاوض على فكرة الوطن. إن الانتماء للدولة والالتفاف حول مؤسساتها الشرعية، بعيداً عن الاصطفافات المذهبية والارتباطات العابرة للحدود، هو السبيل الوحيد لمنع تحول لبنان إلى مجرد جغرافيا ممزقة بين سلام مرّ وحرب مستدامة. والتاريخ سيسجل أن معركة بناء الثقة بين اللبنانيين كانت أصعب بكثير من معركة رسم الحدود، وأن خلاص الوطن لن يكون في واشنطن أو طهران، بل في إيمان أبنائه بأن الدولة، رغم علاتها، هي المظلة الوحيدة التي تحمي الجميع من الضياع في ليل الحروب الطويل.