واقعية المغرب تُرغم بوليساريو على التخلي عن وهم 'الاستقلال'
مدريد – تعيش جبهة بوليساريو الانفصالية على وقع ما اعتبره محللون "زلزالا" سياسيا ورآه آخرون تحولا في الخطاب لجهة تبني رؤية واقعية في التعاطي مع النزاع المفتعل في الصحراء بعد تصريحات أدلى بها محمد سيداتي وزير خارجية الكيان غير الشرعي المسمى "الجمهورية الصحراوية" لصحيفة "إل إسبانيول" الإسبانية وأق فيها باستحالة الطرح الانفصالي أو ما تسميه الجبهة بـ"الاستقلال' وهو الطرح الذي تفكك على صخرة الواقعية المغربية في التعاطي مع الملف.
وأعادت تصريحات سيداتي ترتيب أوراق ملف الصحراء بما يتناغم مع الطرح المغربي الواقعي الذي اكتسب زخما دوليا انتهى بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الذي تبنى مبادرة المملكة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا مقبولا وواقعيا لأي تفاوض لحل النزاع المفتعل.
وهذا التصريح الذي أقر فيه المسؤول الانفصالي باستحالة الحديث عن استقلال الصحراء في ظل المعطيات الجيوسياسية الراهنة، لا يمثل مجرد رأي عابر، بل هو اعتراف صريح بانهيار السقف الأيديولوجي الذي قامت عليه الجبهة منذ عقود، ويعكس حالة من الواقعية السياسية التي فُرضت بقوة الأمر الواقع والدبلوماسية المغربية الهادئة والفعالة.
ومنذ عقود، استند خطاب بوليساريو إلى شعارات راديكالية ترفض أي حل لا يضمن الانفصال التام، إلا أن المقابلة التي أجرتها الصحيفة الإسبانية واسعة الانتشار كشفت عن وجه آخر للقيادة الانفصالية التي بدأت تدرك أن المسار الذي سلكته وصل إلى طريق مسدود تماماً.
ولم يأتِ هذا التغير في النبرة من فراغ، بل هو نتاج تراكمات سياسية وميدانية وقانونية جعلت من خيار الاستقلال وهماً غير قابل للتحقق، فالبيئة الدولية في عام 2026 لم تعد هي نفسها قبل عقد من الزمن، حيث بات العالم أكثر ميلاً لاستقرار الدول ووحدتها الترابية في مواجهة مخاطر التجزئة والتوترات الإقليمية.
ويأتي هذا الاعتراف الضمني من قلب الجهاز الدبلوماسي للجبهة الانفصالية ليؤكد أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي قد تحولت من مقترح مطروح للنقاش إلى الإطار الوحيد والعملي والمنطقي الذي يجد قبولاً لدى القوى العظمى والمجتمع الدولي.
ويؤكد اعتراف سيداتي بـ"استحالة الاستقلال" أن القيادة الانفصالية باتت تعاني من عزلة دبلوماسية خانقة، خاصة بعد توالي سحب الاعترافات بالكيان المزعوم من قبل عشرات الدول في أفريقيا وأميركا وأوروبا، وهو ما أفرغ أطروحة الجبهة من أي اسنادات قانونية وسياسية كانت تحاجج بها تضليلا وبهتانا تحت مسمى "حركات التحررر وتقرير المصير".
كما أن هذا التحول اللافت في الخطاب يعكس أيضاً حجم الضغوط الداخلية في مخيمات تندوف، حيث بدأت الأصوات تتعالى بضرورة إيجاد مخرج يحفظ كرامة السكان ويخرجهم من دوامة اللجوء والانتظار العبثي، خاصة مع النجاحات التنموية الكبيرة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، والتي حولت مدناً مثل العيون والداخلة إلى أقطاب اقتصادية عالمية تجذب الاستثمارات القنصلية والتجارية.
ويشير الحديث عن "الواقعية السياسية" في مقابلة "إل إسبانيول" إلى أن الجبهة فقدت رهانها الأخير على الدعم الخارجي الذي بدأ تآكل بفعل الواقعية المغربية وبفضل دبلوماسية هادئة أسست لهذه المرحلة. كما تآكل رهان بوليساريو هو الآخر أمام المصالح الاستراتيجية الكبرى للدول مع المغرب كشريك موثوق ومستقر في شمال أفريقيا والمتوسط.
وبالنظر إلى السياق الدولي، فإن القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي والتحركات التي قادتها مدريد وواشنطن لترسيخ حل سياسي مستدام، وضعت قادة بوليساريو أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في اجترار شعارات الماضي ومواجهة الاندثار، أو الانخراط في عملية سياسية تحت السيادة المغربية تضمن لهم دورا في تدبير الشؤون المحلية. وبناءً على ذلك، فإن تصريحات سيداتي تعد بمثابة شهادة وفاة رسمية للمشروع الانفصالي من الداخل، وبداية مرحلة جديدة تتسم بالقبول بالأمر الواقع، مما يفتح الباب واسعاً أمام طي هذا النزاع المفتعل بشكل نهائي.
ولن تتوقف تداعيات هذا التحول لن عند حدود التصريحات الصحفية، بل ستنعكس بشكل مباشر على المسارات التفاوضية القادمة، حيث سيجد الطرف الانفصالي نفسه مضطراً للتفاوض على تفاصيل الحكم الذاتي بدلاً من المطالبة بالمستحيل، وهو ما يعزز من الموقف المغربي ويؤكد صدقية رؤيته الاستراتيجية التي راهنت دائماً على الوقت والشرعية والتنمية لإنهاء هذا الملف.
ويشكل تصريح وزير خارجية الكيان غير الشرعي وغير المعترف به لصحيفة "إل إسبانيول"، علامة فارقة في تاريخ النزاع، تعيد تعريف موازين القوى وتؤكد أن السيادة المغربية على الصحراء ليست فقط حقيقة تاريخية وجغرافية، بل باتت الآن حقيقة سياسية يعترف بها الخصوم قبل الأصدقاء، مما ينهي عقوداً من التضليل السياسي ويضع المنطقة على أعتاب مرحلة من الاستقرار والتعاون الإقليمي الشامل.