توافقية لبنان: أوهام التفاوض وربط المسارات

من الصعب، في هذه المرحلة، التوصل إلى اتفاق سريع بشأن نزع سلاح حزب الله ومن الأصعب أيضاً إيجاد أساس سياسي للسلام أو التطبيع.

المحادثات التي بدأت في واشنطن بين إسرائيل ولبنان لا تبشر، على الأقل في هذه المرحلة، بولادة نظام جديد أو بعودة الاستقرار. صحيفة واشنطن بوست ذكرت نقلاً عن مسؤول لبناني رفيع، قوله "لا نعتقد أن المحادثات ستؤدي إلى وقف إطلاق النار، ولبنان ليس لديه ما يقدمه في المفاوضات" … وهذه هي العقدة الأساسية.
في أدبيات السياسة، يُوصَف لبنان بأنه دولة توافقية، وكان الاستقرار الداخلي فيه يتحقق بناءً على توافق عدة عواصم أساسية: القاهرة، تل أبيب، باريس، واشنطن، الفاتيكان، ودمشق، إلى جانب عواصم عربية وأجنبية أخرى كانت تتغير بتغير موازين القوى. بعد الحرب الأهلية، تغيرت الصورة قليلاً، وحالياً اقتصر الأمر على طهران، تل أبيب، واشنطن، الرياض، وفرنسا، فيما يبدو أن دمشق والفاتيكان مستبعدتان، إلى حدٍّ ما، بصورة مؤقتة.
الفسيفساء اللبنانية التي تميز تركيبته السكانية أثرت الحركة السياسية والاقتصادية، لكنها كانت، في بعض الأحيان، عبئاً أثقل كاهل الدولة وأدخلها في تقاطعات وصدامات كانت في غنى عنها. وللإنصاف، فإن هذا البلد تحمّل فوق طاقته، ودفع فاتورة الصراع العربي الإسرائيلي، بعد توقيع اتفاق القاهرة عام 1969، وهو الوثيقة التي نظمت الوجود الفلسطيني المسلح والمدني في لبنان، برعاية الرئيس المصري جمال عبدالناصر. ربما كانت النوايا طيبة، لكن النتائج جاءت عكسية تماماً.
فالاتفاق منح شرعية قانونية للنشاط العسكري الفلسطيني داخل لبنان، مما أحدث انقساماً حاداً في الداخل اللبناني بين مؤيد، غالبيتهم من القوى القومية واليسارية، ومعارض اعتبره مساساً بالسيادة الوطنية، وغالبيتهم من القوى اليمينية والمسيحية.

وأصبح هذا المسار سنداً لتكرار التجربة التي ساهمت في وصول لبنان إلى ما هو عليه اليوم.
ما سبق مهم لفهم مفاوضات واشنطن دون أي شطط، فالمفاوضات الجارية لديها تقريباً الحظوظ نفسها من النجاح والفشل؛ وقد تمثل لحظة تاريخية فاصلة لاستعادة لبنان هويته وثقافته الثرية، وقد تصبح أيضاً لحظة مأساوية. النتيجة هنا ستتحدد بناءً على "توافقية لبنان"، فيما يتعلق بقوة الدولة وقدرتها على تطبيق ما سيتم التوصل إليه، وآليات هذا التطبيق، ومدى رغبة عواصم التوافق في إنجاحه، وأهداف كل منها، وصولاً إلى أحد أهم التعقيدات، وهو الاصطدام بالواقع الديمغرافي والسياسي الجديد منذ عسكرة حزب الله داخل لبنان والذي ترسخ باتفاقية 'الطائف'. هذا الواقع تحديداً هو ما يربط بين مساري التفاوض اللبناني والإيراني، وكأنه تجسيد لنظرية "الأواني المستطرقة": تقدم مقابل تقدم، وتراجع مقابل تراجع.
المشكلة التي تتجلى بكل حدتها هي أنه لا يزال هناك من يتحدث عن لبنان وكأنها دولة مركزية منظمة، قادرة على اتخاذ قرار واحد صباحاً وفرضه على جميع الأطراف مساءً. هذا، بطبيعة الحال، غير واقعي؛ فهذا البلد يعيش مفردات الحرب منذ سبعينيات القرن الماضي، ومنذ عام 2023 يتعرض للقصف الجوي والبري والبحري على مدار الساعة، ويعاني أزمة اقتصادية طاحنة، وقد انعكس كل ذلك على قدرات الجيش.
إذن هذه هي الصورة التي يدخل بها لبنان إلى طاولة التفاوض؛ فهو يرغب بشدة في وقف النزيف، والحد من حجم الدمار، واستعادة بعض السيادة.
من وجهة نظر إسرائيل، تتمثل الأزمة في سلاح حزب الله، الذي يرفض زعيمه المفاوضات من الأساس. وهنا يجب الإشارة إلى أن تحقيق اختراق في هذا التفاوض مرهون بضرورة أن تتخلى تل أبيب، عن الوهم المريح بأن الحزب قد هُزم إلى الدرجة التي تجعله مجرد مشكلة تقنية.

صحيح أن التنظيم قد ضعف، وتلقى ضربات قاسية، وخسر موارده وقادته، لكنه لم يختفِ، ولم يتفكك، وحتى الآن، وهو تحت الضغط، لا يزال قادراً على فرض إيقاعه، وتحدي الجبهة الداخلية وكل قرى الجليل الأعلى. لذا يجب على إسرائيل استيعاب هذه الحقيقة وعليها أن تقدم تنازلاً من نوع ما.

أما طهران، التي توشك على الدخول في جولة ثانية من المفاوضات مع واشنطن، فتصر على ربط مساري التفاوض، انطلاقاً من اعتقادها بأنها تمتلك الورقة الأكثر تأثيراً، وهي سلاح حزب الله، الذي يمثل أقوى أذرعها في المنطقة.

هذا الملف حاضر، بصورة مباشرة أو ضمنية، على طاولة مفاوضات إسلام آباد، ضمن مسألة تحجيم أذرع إيران الإقليمية ووقف تدفقات الدعم إليها، فضلاً عن أن محاولة فرضه قسراً تمثل مخاطرة قد تطيح بكلا المسارين.

بالنسبة لإدارة ترامب، لا تُعد هذه المحادثات مجرد جهد وساطة، بل هي جزء من جهد أوسع على عدة اتجاهات في آن واحد: إيران، ومضيق هرمز، وأسعار النفط، والأسواق الدولية. كما أن الضغط الأميركي على إسرائيل لخفض حدة التوتر ليس مجرد بادرة تجاه لبنان، بل يمثل مصلحة أميركية واضحة، فمن وجهة نظر واشنطن، فإن أي هجوم كبير آخر على بيروت، وأي تصعيد حاد على الحدود، وأي فشل معلن للمحادثات، قد يضر ليس فقط بالجبهة اللبنانية، بل أيضاً بالجهود الأميركية الأوسع نطاقاً لإدارة المواجهة مع إيران ومنع حدوث صدمة اقتصادية أخرى، وهو ما يعيد تأكيد فكرة ربط المسارات.
لذا، فإن السؤال الأهم ليس ما يرشح من قاعات التفاوض، بل مدى ترجمة أي تفاهم يتم التوصل إليه إلى واقع ملموس على الأرض. وإذا كان حزب الله قد أعلن مسبقاً أنه لن يلتزم بأي اتفاق يُصاغ من دونه، فإن المشكلة لا تكمن في صياغة البيانات ووثائق التفاوض؛ إذ ستبقى الفجوة بين هذه الرغبة والواقع الطائفي والسياسي والعسكري شاسعة.
من الصعب، في هذه المرحلة، التوصل إلى اتفاق سريع بشأن نزع سلاح حزب الله، ومن الأصعب أيضاً إيجاد أساس سياسي للسلام أو التطبيع، لكن الجانب الإيجابي يتمثل في أن جميع الأطراف تدرك خطورة الوضع الحالي، وإمكانية التدحرج لحرب إقليمية يصعب السيطرة عليها أو على تداعياتها الممتدة اقتصادياً وسياسياً.
الإيرانيون لا يرغبون في التصعيد، لأنه يزيد من تعقيد موقفهم الإقليمي ويضر بهامش مناورتهم مع واشنطن. وإسرائيل تدرك، بعد تجارب عديدة في غزة ولبنان، أن الحسم العسكري وحده لا يكفي، وأن التفاوض يظل المسار الوحيد القادر على تثبيت أي تهدئة مستدامة لكل إسرائيل.

أما إدارة الرئيس ترامب، فتسعى إلى الخروج بمكاسب مقبولة سياسياً تحت ضغط أزمة اقتصادية تمس مباشرة رجل الشارع والناخب الأميركي. ويبقى لبنان، الغني بإمكاناته وثقافته وتاريخه. ويبقي لبنان، الغني بإمكاناته وثقافته وتاريخه، ينتظر التوافق من فرقاء الداخل والخارج.