تآكل الهيبة: هل بدأت حقبة التراجع الترامبي؟

الفترة الأخيرة هي الأكثر كشفاً لحدود 'النظرية الترامبية'؛ فأزمة الرئيس الأميركي مع البابا فقط، الذي يحظى بشعبية تفوق شعبيته داخل الولايات المتحدة، يمكن أن تكلّفه وحزبه الكثير.

الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أحد أكثر رؤساء الولايات المتحدة إثارة للجدل، حتى ظروف عودته إلى الرئاسة كانت غير تقليدية، فدخل البيت الأبيض بدعم من تحالف هو الأوسع تباينًا، رافعًا شعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، انضوى تحته مزيج من مجموعات متناقضة؛ منها دوائر مرتبطة بالعملات الرقمية، ومقدمو "البودكاست"، ومناهضو الحروب، ومسيحيون متدينون، والمتعصبون لشعار "أميركا أولاً"، ونخب في مجالات الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، وملوَّنون. كل هؤلاء شاركوا في احتفالات تنصيبه، ووقتها قال الجمهوريون إن هذا التجمع لم يحدث من قبل، وربما لن يتكرر في أي انتخابات لاحقة.

منذ اللحظة الأولى بعد توليه السلطة، اتسم خطابه بحدة عالية تجاه خصومه؛ تصريحاته متقلبة، تهديداته غير مسبوقة، هجوم حاد ولفظي شبه يومي على رؤساء سابقين؛ بايدن وأوباما. وخارجياً، كان أولهم رئيس أوكرانيا، ثم امتدت القائمة لتشمل غالبية قادة أوروبا وغيرهم. وُصف بالمتنمر، بعدما سخر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلاً "إنه لا يزال يتعافى من صفعة قوية على فكه"، في إشارة إلى مقطع فيديو يظهر زوجته بريجيت وهي تصفعه خلال رحلة إلى فيتنام. أما طموحاته، فبدأت من ضم كندا، احتلال غرينلاند، تغيير اسم خليج المكسيك، والسيطرة على قناة بنما، والآن يتحدث عن كوبا باعتبارها التالية بعد إيران.

هذا الرجل تعرض مؤخراً لعدد من الخسائر السياسية المتتالية؛ حيث رفض قادة الاتحاد الأوروبي والناتو الانضمام إلى الحصار البحري على إيران أو تأمين مضيق هرمز. وفي المجر، خسر رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي يحظى بدعم ترامب، الانتخابات، مُنهياً بذلك 16 عاماً في السلطة.

وقبلها، تسبّب تحذيره لإيران بأنها "ستبيد حضارة بأكملها الليلة" في استياء وغضب داخل أميركا وخارجها. وبعد ساعات، شنّ هجوماً على البابا ليو الرابع عشر - أول بابا مولود في أميركا - ووصفه بأنه "ضعيف في التعامل مع الجريمة، وفظيع في السياسة الخارجية"، بسبب إدانة ليو لتهديداته ضد الشعب الإيراني.

ثم نشر ترامب صورة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لنفسه في هيئة شخصية تشبه المسيح، وهو يشفي رجلاً طريح الفراش، ويحيط به النسور والعلم الأميركي. وأثارت الصورة استنكاراً من قبل الموالين لحركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، بما في ذلك اتهامات بالتجديف وحتى المسّ الشيطاني، مما اضطره إلى حذف المنشور.

وفي الأسبوع نفسه، شنّ ترامب هجوماً لاذعاً على أبرز الأصوات في جماعة "أميركا أولاً"، متبرئاً من حلفائه السابقين لانتقادهم حربه على إيران. وقد طال هذا الهجوم وسائل الإعلام المؤيدة له على نطاق واسع، مما أجبر المؤثرين الذين أمضوا سنوات في دعمه على إعلان موقفهم المناهض له علناً.

حتى المستثمرون في العملات الرقمية، الذين أسهموا في وصوله إلى البيت الأبيض، انتقدوه بعد أن طالتهم تداعيات سياسته المتقلبة، بما في ذلك انهيار الأسعار، واختفاء عملات رقمية، وادعاءات جديدة بالتلاعب من قِبل مشروع العملات الرقمية لعائلة ترامب. أما الناخبون الملوَّنون الذين ساندوه، فقد انخفضت نسبة تأييدهم إلى 22 بالمئة في فبراير/شباط، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته شبكة CNN. فيما أظهر استطلاع جديد أجرته شبكة "سي بي إس نيوز/يوجوف" أن نسبة تأييد ترامب بين الناخبين البيض - وهم العمود الفقري لحركته - قد تراجعت من +36 في بداية ولايته إلى -4، أي بانخفاض قدره 40 نقطة.

بعد تنصيبه للمرة الثانية، كانت هناك صدمة من كيفية التعامل مع الرجل، لكن مع مرور الوقت استوعب الجميع طريقته، وما حصده في بداية رئاسته أوشك على خسارته تدريجياً؛ فترامب ليس أول زعيم يتبنى صراحة سياسة خارجية متناقضة وغير منتظمة؛ فعلى مدى عقود، تبنّى رؤساء دول في جميع أنحاء العالم ما يعرف بـ "نظرية المجنون"، وهي فكرة أنه من خلال التصرف بطريقة شديدة التقلب، يمكنهم إخافة المعارضين ودفعهم إلى التنازل.

قد تكون نظرية "المجنون" شائعة، ولكنها تاريخياً لم تفعل الكثير لأتباعها؛ فخلال الحرب الباردة، على سبيل المثال، اقترح بعض مستشاري البيت الأبيض تطبيق النظرية على الدول الشيوعية حتى تأخذ التهديدات النووية الأمريكية بجدية أكبر.

وبالفعل فشل نيكسون في إقناع الفيتناميين الشماليين وحلفائهم السوفييت بجنونه الذي سوّق له وزير خارجيته هنري كيسنجر، واضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب من فيتنام. وخلال جهود الاتحاد السوفيتي للسيطرة على برلين، هدّد خروتشوف باستخدام الأسلحة النووية، وغالباً ما بدا أنه فقد السيطرة على مشاعره عند مقابلة المسؤولين الغربيين، بالصراخ والإيماءات والتحول إلى اللون الأحمر في الوجه، ومع ذلك لم يتمكن من إجبار الولايات المتحدة على التراجع. وقد طُبقت النظرية حتى في المنطقة العربية، وأبرز من طبقها كان صدام حسين ومعمر القذافي، وانتهت تجربتاهما السياسية والعسكرية إلى نتائج كارثية.

الفترة الأخيرة هي الأكثر كشفاً لحدود "النظرية الترامبية"؛ فأزمته مع البابا فقط، الذي يحظى بشعبية تفوق شعبيته داخل الولايات المتحدة، يمكن أن تكلّفه وحزبه الكثير، وقد تؤدي إلى تآكل جزء من قاعدته المحافظة، حيث يشكل الكاثوليك نحو خُمس سكان الولايات المتحدة، وهم الكتلة الدينية الأكثر تأثيرًا في الانتخابات الأميركية. حتى الآن، يبدو أن إدارته لا تتكيف بشكل جيد مع حقيقة أن قائمة الدول المعارضة لسياسته تتسع وتطول، وهذا يتناسب طردياً مع تراجع اعتماد المزيد من الدول على الولايات المتحدة في ظل سياستها الراهنة التي تشكلها التصريحات المتناقضة لترامب.

يمكن أن تكون لدى ترامب فرصة لإعادة تشكيل العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، والتحول من عقود الصراع العربي الإسرائيلي إلى حقبة من الأمن الجماعي والازدهار، لكن بالمنطق والتسويات المُرضية، وليس بإشعال المزيد من الحروب، والدخول في تحديات غير مسبوقة، يتعلق معظمها بثوابت تاريخية وجغرافية يصعب القفز فوقها.

صحيفة "واشنطن بوست" نشرت إحصائية تشير إلى أنه خلال ولايته الأولى، أطلق ترامب 30573 تصريحاً مضللاً، بمعدل 21 ادعاءً يومياً. وهذا يطرح تساؤلاً مهماً: هل تتعرض الولايات المتحدة لتآكل في هيبتها على المستويين الداخلي والخارجي تحت تأثير "المشروع الترامبي"؟ أما السؤال الأهم، فليس "من وماذا خسر ترامب؟" بل: "من بقي معه؟"