تمرّد غير مسبوق في غوغل لانقاذ 'جيميناي' من الخدمة العسكرية!

ساندار بيتشاي يواجه احتجاجا داخليا من 600 مهندس يرفضون تحويل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات حروب سرية لصالح البنتاغون، في أزمة تضع الشركة أمام خيار وجودي: الالتزام بأخلاقياتها أو الانخراط في تسلح رقمي يهدد بهجرة ألمع عقولها.

سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) - خلف الواجهات الزجاجية البراقة لمقر شركة "ألفابت" في ماونتن فيو والهدوء الظاهري للمكان، تواجه شركة "ألفابت" (غوغل) أزمة داخلية صاغبة هي الأعنف منذ سنوات، مع انضمام أكثر من 600 موظف وباحث إلى جبهة معارضة منظمة تهدف لمنع الشركة من التحول إلى "مقاول دفاعي" للجيش الأميركي.

ويجد ساندار بيتشاي، الرجل الذي يقود إمبراطورية غوغل، نفسه محاصرا بين مطرقة الطموح العسكري الأميركي وسندان "تمرد" أخلاقي يقوده صفوة عقول الشركة.

وتأتي هذه التحركات في أعقاب الكشف عن رسالة مفتوحة موجهة إلى الرئيس التنفيذي ساندار بيتشاي ووُصفت لهجتها بالحازمة، تطالبه بوقف أي تعاون يتيح لوزارة الدفاع (البنتاغون) استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وعلى رأسها نموذج "Gemini"، في عمليات عسكرية مصنفة بأنها "سرية" ووقف التعاقدات المصنّفة مع وزارة الدفاع الأميركية، إلى جانب إنشاء آليات رقابة أخلاقية مستقلة تضمن الشفافية في استخدام التكنولوجيا.

والرسالة التي هبطت كالصاعقة على مكتب بيتشاي لم تكن مجرد عريضة احتجاج، بل كانت إعلانا صريحا لرفض تحويل غوغل إلى "مقاول دفاعي" يعمل في الظل لصالح البنتاغون.

والتمرد داخل غوغل يأتي في أعقاب تقارير إعلامية أفادت بأن الشركة تدرس، أو ربما دخلت بالفعل، في ترتيبات مع البنتاغون تتعلق باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة في مهام تحليل البيانات والتخطيط العسكري، وربما في تطبيقات أكثر حساسية، في سياق سباق متسارع لتوظيف الذكاء الاصطناعي في المجالات الدفاعية.

وتشير تقارير حديثة إلى أن غوغل أعادت النظر في بعض القيود التي كانت تفرضها سابقا على استخدام تقنياتها في المجالات العسكرية، في خطوة تُفسَّر على نطاق واسع بأنها محاولة للحاق بمنافسين مثل مايكروسوفت واوبن اي اي، اللتين دخلتا بالفعل في شراكات مع جهات حكومية أميركية.

تتمحور مخاوف الموظفين، الذين يضمون في صفوفهم 20 مديراً ومسؤولاً رفيعاً في قطاعي "غوغل كلاود" و"ديب مايند"، حول تحول تقني جوهري.

فبينما كانت التعاونات السابقة تقتصر على المهام الإدارية واللوجستية غير المصنفة، تسعى المفاوضات الجارية الآن إلى نقل برمجيات غوغل للعمل داخل شبكات عسكرية معزولة (Air-gapped).

ويحذر الموقعون على الرسالة من أن هذا الانتقال سيخلق "صناديق سوداء" عسكرية؛ حيث سيتم تشغيل تقنيات غوغل في بيئات لا يمكن للمهندسين المدنيين مراقبتها، مما يفتح الباب لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري المباشر أو المراقبة الجماعية دون أي رقابة أخلاقية.

وحذّر الموقعون من سيناريوهات تتراوح بين تطوير أنظمة قتالية ذاتية القرار تعتمد على الخوارزميات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات مراقبة واسعة النطاق، مؤكدين أن مثل هذه التطبيقات قد تُحدث "ضررًا لا يمكن إصلاحه" على المستويين الأخلاقي والمؤسسي.

يأتي هذا التمرد في وقت حساس للغاية لقطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون. فمع قفزة هائلة في ميزانية الدفاع الأميركية المخصصة للذكاء الاصطناعي لتصل إلى 54.6 مليار دولار في الميزانية المقترحة لعام 2027، تجد غوغل نفسها في صراع مباشر على "هويتها".

وتشير التقارير إلى أن إدارة بيتشاي تحاول سد الفراغ الذي تركته منافستها Anthropic، التي رُفضت طلباتها للتعاون مع البنتاغون بسبب اشتراطاتها الأخلاقية الصارمة، مما أدى لتصنيفها "خطراً على سلاسل الإمداد".

ويرى المحللون أن غوغل تخشى مصيراً مشابهاً قد يحرمها من عقود مليارية، وهو ما دفعها مؤخراً لتعديل "مبادئ الذكاء الاصطناعي" الخاصة بها لحذف فقرات كانت تحظر صراحة تطوير تكنولوجيات تسبب إصابات للبشر.

انقسام في نواة القيادة

تعيد هذه الأحداث للأذهان ذكرى "مشروع مافن" عام 2018، الذي شهد استقالة موظفين احتجاجاً على تحليل صور الطائرات المسيرة. لكن المراقبين يرون أن أزمة 2026 أكثر تعقيداً؛ فالمعركة الآن ليست على مشروع واحد، بل على تحويل البنية التحتية الأساسية لغوغل، بما في ذلك رقائقها المتطورة (TPUs)، إلى أدوات حربية.

وبحسب تقارير نشرتها صحف أميركية، من بينها "The Washington Post" و"Business Insider"، فإن الموقعين على الرسالة ينتمون إلى أقسام حساسة داخل الشركة، تشمل فرق الذكاء الاصطناعي المتقدمة وخدمات الحوسبة السحابية، ما يشير إلى أن الاحتجاج ينبع من داخل النواة التقنية التي تطوّر هذه الأنظمة.

وانضمام شخصيات بوزن كبير علماء "ديب مايند" جيف دين، الأب الروحي للذكاء الاصطناعي في غوغل، إلى جبهة القلقين —ولو عبر التحذير من المراقبة الجماعية— يكشف أن الانقسام ليس عماليا فحسب، بل هو شرخ في أعلى هرم القيادة، اذ ان المعركة اليوم لا تدور حول عقد برمجيات بسيط، بل حول تحويل "العمود الفقري" للشركة، من رقائق (TPUs) وبنى تحتية، إلى ترسانة حربية رقمية.

يقف ساندار بيتشاي اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: اما الاستجابة للمطالب: وهو ما قد يعني التضحية بعلاقة استراتيجية مع واشنطن وتفويت فرص استثمارية ضخمة لصالح شركات مثل "بلانتير" و"مايكروسوفت".

او المضي قدماً في العقود العسكرية ما قد يؤدي إلى نزيف في "العقول" التقنية وهجرة جماعية للباحثين الذين يرون أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة لخدمة البشرية لا وسيلة لدمارها.

وحتى هذه اللحظة، لم يصدر رد رسمي مفصل من غوغل، بينما يترقب المستثمرون والمدافعون عن الحقوق الرقمية النتائج النهائية لهذه المواجهة التي ستحدد ملامح "أخلاقيات الحرب الرقمية" في العقد القادم.

ووفق الخبرء، فان ما يحدث في غوغل اليوم هو البروفة الأولى لصراع عالمي قادم في قطاع التكنولوجيا. فبينما تتسابق الحكومات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في حروب المستقبل، يضع مهندسو سان فرانسيسكو الخطوط الحمراء. فهل تظل التكنولوجيا أداة للبناء، أم تتحول إلى سلاح صامت في حروب سرية لا يعلم عنها أحد؟