كيف تحالفت العنصرية مع الخوارزميات لتحوّل بوشناق الى 'خائن'
في الوقت الذي يُنتظر فيه من الفن أن يكون جسرا للتلاقي، وجد الفنان التونسي الكبير، لطفي بوشناق، نفسه وسط عاصفة من التشويه الممنهج والحملات "الدنيئة" التي استهدفت تاريخه الفني ومكانته الوطنية. هذه الحملة، التي اندلعت شرارتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّلت إلى عملية تضليل وتحريض واسعة النطاق، استُخدمت فيها أدوات "الفبركة" والاجتزاء للنيل من أحد أبرز رموز الأغنية العربية والتونسية.
ضجّت المجموعات العامة والصفحات الإخبارية التونسية بمقطع فيديو لأغنية "أهلاً وسهلاً بالأحضان"، مصحوباً بتعليقات نارية اتهمت الفنان بـ "خيانة القضايا الوطنية" و"التواطؤ لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس".
ورصد المتابعون للشأن الرقمي كيف تحوّلت التعليقات من نقاش حول "ملف الهجرة" إلى هجوم شخصي حاد طال بوشناق، حيث استُخدمت عبارات قاسية تتهمه بالبحث عن "التمويلات الأجنبية" على حساب أمن بلاده. وانتشرت وسوم (هاشتاغات) تحريضية تطالب بمقاطعة أعماله ومنعه من الصعود على ركح المهرجانات الدولية، في مشهد يعكس حالة من الاستقطاب الحاد الذي يعيشه الشارع الرقمي التونسي تجاه قضايا الهجرة.
أغنية قديمة في سياق ملتهب
الأغنية موضوع الجدل والفبركة، هي عمل فني أُنتج بالتعاون مع المعهد العربي لحقوق الإنسان. الحقيقة التي غُيبت وسط ضجيج الفيسبوك هي أن هذا العمل يعود إلى سنة 2021، وقد تم إنتاجه خصيصاً بمناسبة اليوم العالمي للاجئ، في سياق كوني إنساني بحت.
إلا أن الجهات المحرضة اختارت توقيت "الذروة" في الجدل الوطني التونسي حول ملف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، لتُعيد نشر الفيديو مع فبركة ''الكليب''، وتصويره للرأي العام على أنه دعوة حالية "للتوطين"، مستغلة المشاعر المشحونة والمخاوف المجتمعية لتحويل فنان وطني عُرف بانتمائه الصادق إلى هدف لسهام التخوين والسب.
"تضليل ممنهج"
من جانبه، خرج المعهد العربي لحقوق الإنسان عن صمته ببيان توضيحي حازم، مؤكداً تعرضه لحملة تشويه تقوم على ادعاءات باطلة ومغالطات واضحة. وأوضح المعهد أن الأغنية لا صلة لها من قريب أو بعيد بملف الهجرة الحالي، مشددا على أن توظيف محتويات قديمة ونشرها في سياقات مغلوطة يهدف بالأساس إلى المس من سمعة المعهد واستهداف شركائه والمتعاونين معه، وعلى رأسهم الفنان لطفي بوشناق.
وأكد المعهد أن هذه "المحاولات غير الأخلاقية" لن تثنيه عن أداء رسالته في التربية على المواطنة ودعم الفئات الهشة، معلناً شروعه في توثيق المنشورات المسيئة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد مروجي الأكاذيب.
نقابة المهن الموسيقية: "انتهى زمن الإفلات من المحاسبة"
دخلت النقابة التونسية للمهن الموسيقية والمهن المجاورة على الخط بدورها، بلهجة شديدة الحزم، واصفة ما يحدث بـ "الحملة الخسيسة" التي تستهدف النيل من رموز تونس الفنية. وأعلنت النقابة أنها رصدت بدقة قائمة بالصفحات والحسابات المتورطة في نشر الإشاعات والابتزاز الإعلامي.
وفي خطوة عملية، قامت النقابة بمعاينة قانونية شاملة لكل التدوينات والتعليقات المسيئة، مكلّفة محاميها بالرفع الفوري لقضايا عدلية ضد كل من تورط أو حرّض على هذه الحملة. وشددت النقابة في بيانها على أن:
"كرامة الفنان التونسي ليست مادة للعبث، وأن حرية التعبير لا تمنح الحق في الثلب والمس من الأعراض والكرامات".
الفن في مواجهة "الترند" الزائف
تفتح هذه الحادثة الباب من جديد حول خطورة "الترند" الزائف وقوة الخوارزميات في توجيه الرأي العام نحو معارك وهمية. فالفنان لطفي بوشناق، الذي لم يتوانَ يوماً عن الغناء للقضايا الوطنية والقومية (وعلى رأسها القضية الفلسطينية)، وجد نفسه مضطراً لمواجهة اتهامات باطلة بسبب عمل إنساني قديم أُخرج من سياقه. التهديدات التي طالته لم تقف عند الشتم والتخوين، بل وصلت حد وصمه بالخيانة الوطنية. الفنان السبعيني الذي لطالما ارتبط صوته بالانتماء والوطنية، والذي يوصف ب''صوت تونس''، يجد نفسه اليوم في مرمى سهام ''الفايسبوك'' ووسائل التواصل التي لا ترحم أحدا ولا حدود لسمومها.
إن ما تعرض له بوشناق والمعهد العربي لحقوق الإنسان هو جرس إنذار ضد "وحشية البشر" في الفضاء الرقمي، وتذكير بأن زمن الصمت عن التشويه قد ولّى.